وقوف على باب الايوان. فلما اراد الغلام ان يولّي؛ اجتذبه الملك اليه، واعتنقه، وقبل فاه.
فلبغ الغلام اريد «1» في العقل والجمال والادب والحلم والفهم والفروسية جميع من كان في عصره وقبله من ابناء الملوك، وكان من اعزّ الناس على ابيه اردشير بن بابكان.
ذكر ما كان من توجيه عيسى بن مريم بعض حواريه الى اردشير بن بابكان يدعوه الى توحيد الله جل جلاله والايمان به.
وقال كان في مبعث عيسى بن مريم ملك من الملوك الطوائف واستجماع الملك لاردشير، فوجه عيسى الى اردشير بعض الحواريين، وامره ان ينطلق اليه ويلطف له بغاية اللطف، حتّى يصل اليه فيدعوه الى اللّه، تبارك وتعالى. فانطلق على حمار له، وفوقه جونية في جانب منها طعامه، وفى الجانب الآخر علف حماره، حتّى دخل المدائن.
فانتهى الى صبيان يلعبون من ابناء العظام الاشراف، وهم قعود يلعبون بالتراب، وقد جمع كل غلام منه حثوة «2» من تراب، وصيّرها في شبيه بيدر. فنظر الشيخ الى غلام منهم وضي الوجه، وكان ابن وزير اردشير. فشّد حماره بحلقة باب دار من تلك الدور، واقبل الى ذلك الغلام فقعد يعينه على جمع التّراب، حتّى صار بيدره اعظم من بيادر جميع اولئك الصبيان. فانطلق الغلام الى ابيه، فأخبره بقصة الشيخ، وما كان من معونته ايّاه على جمع التراب، حتى غلبت جميع اقرانه. فقال له ابوه: انطلق اليه، فادعه الى النزول عندنا. فأتاه وهو جالس في ذلك المكان فقال له انطلق حتى تنزل عندنا فان والدي قد امرني بذلك، فانطلق الشيخ حتى نزل على الوزير واقام عنده وامر الوزير باكرامه والاحسان اليه. فكان الشيخ اذا جنه الليل قام يصلي، ويقرأ الانجيل بصوت حزين، ويسرج له في البيت سراجا، يضئ له حتى يصبح. فعجب الوزير من ذلك وقال له: ايها الشيخ من اية ارض انت، وما قصّتك؟ فأخبره انه رسول رسول الله عيسى بن مريم الى اردشير، ليدعوه الى التوحيد.
فقال له الوزير: اشرح لى دينك! فشرحه له، وقرأ عليه سورا من الانجيل والزبور، وفسر له، ذلك. فآمن الوزير باللّه وحده ذى الجلال والاكرام، وكتم عن جميع الناس ايمانه. وانّ مركبا لأردشير من أفره ما يكون من المراكب نفق، فاغتّم الملك بذلك غمّا شديدا.
فاستغنم الوزير ذلك مدة وقال: ايها الملك انه نزل عليّ شيخ من اهل الشام، يزعم أنه يحيي الموتى. فانكرت ذلك عليه. واحتملته لحق ضيافته. فان اذنت لى، بعثت اليه ليأتينا ونسأله ان يحيي لنا هذا المركب. فان قدر على ذلك، والا انزلناه منزلة اهل الكذب قال
(1) . النهاية: فبلغ الغلام المزيد، تاريخ: فابلغ ازيدنا، اصل: فبلغ الغلام ازيد
(2) . النهاية: صبرة