بعد وفاتي بالفي عام. فاذامتّ فاحتفظوا بجسدي، وليكن عندكم محرزا، فاذا انجلى ذلك العذاب، فلينطلق بعضكم الى الارض المقدسة، فيدفننى فيها، فان ربّى وعدني ان يطيل عمر الذي يدفنني الى يوم القيامة.
وقد خلّفت فيكم ابني شيثا؛ هو سالك بكم محجّتى، ومنته فيكم امرى، والله خليفتي عليكم، واستودعكم الله، واساله كلاءتكم وحفظكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فلم يمس يومه ذلك حتّى مرض. فلما اصبح في اليوم الثانى، قال لابنه شيث: يا بنّى انطلق الى ناحية عرفات، فلعلّك ان تلقى هناك جبرئيل الرّوح الامين، فتقرئه منّى السلام، وتعلمه انّي قد اشتهيت شيئا من ثمار الجنّه. فانطلق شيث الى ناحية عرفات، فاذا هو بجبريل هابطا من السماء، في عسكر من الملائكه فقال: يا هبة الله اين تريد؟ فقال: اريد اليك يا روح الله، انّ ابي اشتكى، وقد ارسلني اليك اعلمك ذلك، وهو يستهديك شيئا من ثمار الجنة.
قال جبريل: يا هبة الله انصرف، فان اباك توفّى، وانّما هبطنا لنصلىّ عليه. فانصرف شيث، فوجد اباه قد توفى؛ فاراه جبريل كيف يغسّله ويحنّطه ويكفنه «1» . فلما ارادوا ان يصلّوا عليه؛ قال شيث: يا جبريل تقدّم، فصلّ عليه! فقال جبريل: انّ الله، «جلّ وعزّ» ، امرنا معاشر الملائكه بالسّجود له، فسجدنا؛ فليس لنا ان نؤمّه، فتقدّم فصلّ على ابيك! فتقدم شيث، فصلّى عليه، وصلّى جبريل وسائر الملائكة امام الصفوف، ومن ورائهم ولد آدم، فصلّوا جميعا خلف شيث.
ثم استودعوه تابوتا من خشب السّاج، وحزن ولده عليه حزنا شديدا، واستوحشوا لفقده، وبكوا عليه اربعين عاما اسفا لفراقه وشوقا الى رؤيته.
ثم ان شيث بن آدم قام بامر ولد ابيه من بعده؛ فقام فيهم خطيبا، فقال: «الحمد لله الذى منّ علينا بكرامته، والحقنا بسوابغ نعمته، وشملنا بعافيته، وبسط لنا فضل رزقه وتالّفنا بهدايته، احمده على جميع آلائه، واشكره على حسن بلائه، واساله تمام ذلك باحسانه.
ايّها الناس اشكروا الله الّذى منّ على ابيكم برأفته، وبسط توبته، وقبل معذرته، واقاله عثرته؛ فاعبدوه حقّ عبادته، واشكروه كنه شكره، وكونوا ايّاه تعبدون، واليه بابيكم تتوسّلون؛ اعتصموا بدينكم، وأصلحوا سرائركم، يصلح لكم اعمالكم. وتوكلوا على الله،
(1) . تاريخ الأصمعى: فقال له: كيف نغسّله ونحنّطه ونكفّنه