فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 486

تكفوا مؤنة عدوّكم؛ فهذه وصيتي لكم «1» وادائي اليكم، ولا حول ولا قوّة الّا باللّه العلّي العظيم.»

فقام شيث بخلافة ابيه من بعده مائتي سنة واثنتي عشرة سنة. فقام من بعده بالخلافة ابنه انوش ثلاثمائة سنة. ثم تولّى الامر من بعد انوش ابنه قينان؛ فجمع اليه ولد ابيه، وتهيأ لمحاربة الجنّ، لتمرّدهم عليه وعلى ولد ابيه.

فلما تمّ لخلافته مائتان وخمسون سنة، حضرته الوفاة، فاستخلف ابنه مهلاييل؛ فامتلأ منهم الحرم ومايليه من الارضين؛ فجمعهم مهلاييل، وقسّم الدنيا على خمس فرق.

فجعل اربع فرق منهم في مهبّ الريح الاربع؛ ونواحيها: الشمال، والجنوب، والصّبا، والدّبور، وخص ولد شيث، باخصب الارضين، وافضلها، واكثرها خيرا؛ فتوّجهوا اليها، وبقي في الحرم الفرقة الخامسة. قال ابن الكلبي: «و لكلّ ريح من هذه الرياح الأربع، حدّ معلوم؛ لا يجاوزه الى غيره. حد الجنوب: من المشرق الى مطلع سهيل، وحدّ الدّبور: من بنات نعش الى مطلع سهيل، وحدّ الصّبا: من المشرق الى المجرّة وحد الشّمال: من المغرب الى المجرّة؛ فلا تدخل واحدة في حدّ الاخرى.

ووجّه مهلاييل لكلّ فرقة من هذه الفرق الخمس، رجلا من صالحى اهل ذلك العصر؛ ليقيم لهم دينهم، ويحملهم على شريعة ابيهم آدم، ويتولّى الحكومة بينهم، وتسميتهم: ودّ ويغوث ويعوق وسواع ونسرا «2» . فاقام كلّ رجل من هولاء النفر، الذين وجههم مهلاييل، مع الفرقة؛ يقيم لهم دينهم، ويعلّمهم شريعة آدم، ويتولى الحكم بينهم، والانصاف للمظلوم من الظالم.

فكمث هولاء الّنفر الخمسة في الفرق الخمس، ما شاء الله ان يمكثوا، حتّى توفّى مهلاييل، وتوفي الّنفر الخمس. فاستوحش النّاس لفقدهم، وحزنوا لوفاتهم، فاتخذوا تماثيل على صورهم من خشب السّاج؛ فكانوا يسكنون الى رؤيتهم، ويتعزّون بالنظر اليهم، حتّى مضى القرن وجاء قرن آخر؛ فقالو: لو عبدناهم، لكانت عبادتنا ايّاهم تقّربا الى الله؛ فعبدوها، وتمادوا في ذلك

فكان هذا سبب عبادة الاصنام؛ فلم يزل الناس يعبدونها، حتّى بعث الله، «عزّ وجلّ» نوحا.

قال الله تبارك تعالى في كتابه في صفة نوح وقال: (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا، وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا)

(1) . النهاية: وصايتي

(2) . ينظر: معجم البلدان: م 5 ص 367

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت