لمحاربة ابليس؛ فاستعدّوا؛ ووقفوا على حدّ الحرم، لئلا يدوروا حواليه، وايّدا الله آدم بالملائكّه؛ فوقفوا امام ولد آدم على اطراف الحرم؛ فاقتتلوا قتالا شديدا- كما يقال، والله اعلم- على اطراف الحرم. فكان الظّفر لآدم وولده، على ابليس وجنوده، بمعاونة الملائكة ايّاهم. فطردوهم من البلاد، واكثروا فيهم القتل.
قال: وبقيت الملائكة على حد الحرم تدور حرسا لآدم وولده، الى يوم القيامة. وهم الذين يؤلفون «1» بين الذئب والشاة والصقر والحمام؛ وبذلك سمّي: حرما. فلما تمّ لآدم الف عام، منذ اهبطه الله الى الارض؛ اوحى الله اليه: انّ عمرك قد انقضى، فاستخلف على ولد ولدك ابنك شيثا، فانّي باعث على الارض عذابا بعد وفاتك بالفى عام؛ فمر ولدك ان يحفظوا جسدك؛ فاذا انجلى ذلك العذاب، فليحملك بعضهم الى الارض المقدسة «2» ، فيدفنك هناك؛ فاني قد اوجبت لمن تولى ذلك من ولدك الخلد، فلا يموت «3» الى يوم القيامة. وكان اللّه «عزّ وجلّ» قد خصّ شيث بن آدم من ولد ابيه بالفضل والكرامة. ولم يولد لآدم ذكر الّا كان معه انثى، في بطن واحد، ما خلا شيث، فانه ولد وحده ولم يكن له توأم، كرامة منه على اللّه، عزّ وجلّ، فلمّا اوحى الله عز وجل الى آدم بذلك؛ جمع ولده وولد ولده، وكانوا قد كثروا، حتى امتلأ منهم الحرم، فقام خطيبا، فقال:
الحمد لله؛ الّذى اقالني العثرة. ومنّ عليّ بالتوبة، وتداركني بالرحمة، وتفضّل عليّ بالعفو والمغفرة، الحليم الكريم الجبّار العظيم، الذى خلقنى بيده، ونفح فيّ من روحه، واسجدلي ملائكته، وعلّمنى اسماءه، واسكنني جنّته؛ فمضت مشيّته فيما سبق من علمه من معصيتى له، واخراجى عن جواره. فله الحمد على اقالته عثرتي، ورحمته ضعفي ومغفرته ذنبي، وتوبته عليّ، ومعونته ايّاي على مجاهدة ابليس عدوّي، فله الطّول في ذلك والمنّ. واشهد ان لا اله الا هو، وحده لا شريك له، الباقي بعد فنائي وانقراض ذرّيّتي.
عليكم يا بنىّ بطاعة الله ولزوم مرضاته، والانابة اليه، والرضا بقضائه، تنالون بذلك رضاه، وتأمنون عذابه. واجتنبوا طاعة النّساء فبئس الشركاء هنّ، ولابدّ منهنّ.
واحموا انفسكم عن خمس خصال: عن الشّهوة والحرص، وأنهاكم عن الفجور والكبر والحسد، فانّهنّ وراء قتل ابني قابيل هابيل.
يا بنيّ ان ربى، تبارك اسمه وتعالى، اوحى الّى انّه ينزل على الارض عذابا من السّماء
(1) . من الف بين اثنين او جماعة.
(2) . المعروف: انّ قبر بيّنا آدم في النّجف الاشرف فقد جاء في زيارة امير المؤمنين «ع» : «السّلام على ضجيعيك آدم ونوح» .
(3) . النّهاية: يموتون؛ تاريخ الأصمعى: يموتنّ