فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 486

المحقّين الفلح، وجعل لهم العواقب الحميدة الى من بلغه كتابى هذا الى ولاة الطوائف سلام عليك بقدر ما تستوجب بمعرفة الحق وايثار الباطل والجور. اما بعد، فان احقّ ما شغل المرء نفسه، وعنى باقامته وتثبيته، وصحّ فيه رأيه ونيتّه، ما كان فيه نفي الظلم وطلب للحق؛ وان من اجاب الداعي الى ذلك، وسارع الى مؤازرته، وخفّ في طاعته، واستجاب الى مكانفته ومعاونته، ووعى ما فيه، تبيين العدل وسننه، وطرق الانصاف ونهجه، واجتياح الظلم من اصله، ونفي الجور؛ وان العماد لمن دعى الى ذلك، وقام معه، ووازر «1» عليه، وبذل نفسه دونه، ليشاركه في الأجر، وينال احسن الأجر، ويدرك معه الذّخر، ويدرك معه وافي الحظّ. وانى نظرت في مملكة آبائى وما عليه حالهم في دينهم، وما هم فيه من اختلاف اهوائهم، فوجدت ذلك كله فاسدا، قد ظهرت فيه البدع وكثرت فيه الفتن، ونشأ فيه الحسد، حتى صارت العصا بعد التيامها شققا، والدين بعد استحكامه واهيا، والملك بعد توطيده منازعا، والعدول بعد استخفائه ظاهرا، والبيضة بعد امنها خائفة، فلم يزل ما تبيّن لى من ذلك غائضا، وما ظهر الى منه كاظما، يكابدني مضضه، وكدّر عليّ عيشي غضاضته. فرأيت أني اصرف همي ونظري واحتيالي الى اصلاح ذلك وقوامه، واجعل استجماع ما تفرّق منه، وانظم ما وهى من عراه. وعلمت انّ ذلك هو الامر الذى لا يفسده شى ء مع قوامه، ولا يهن امر مهن نظامه، وذلك انّ النّاس لو كانوا جميعا على امر واحد من السنّن والدين، وكان ملوكهم كثيرا، ومن يلى امورهم اشتاتا؛ لم يلبثوا ان تتفرّق آراؤهم، وتتشتّت امورهم، كافترار «2» ملوكهم، وتشتّت سلطانهم، ولن يثق كل إمرئ منهم الى ما في يد غيره. وسيمّا اذا حسّ بعضهم من نفسه قوّة على صاحبه، وكان غير موثوق اليه في صلاح الناس، ان كان مفرطا في الحرص والشره، او كان معتقدا للفجور والزنا، او كان ذا شراشة والحاح، او كان بعيدا من الرحمة للناس؛ فان هذه كلّها مخالفة لدوام السلطان، مجلبة اليه الضرّر والفساد. واستبان لى ذلك كله، ووضح لى ضرّه ونفعه، مع حبّ اكثر الناس للغشم، وابطالهم العدل، وخفّتهم الى كلّ اثم. فخفت ان توقد نار لا خبو لضرامها، ولا اطفاء لو قودها، حتى تسفك فيها الدّماء، ويرتقى فيها اعلى المرتقى.

فرأيت ان احاوك اجتماع الكلمة، واتفاق المّلة وخبو النّار المستعرّة واطفاء الفتنة المتعالية. وقد عرفتم معاشر ملوك الطوائف: ان أسلا في المحمودة سيرتهم، الكريمة آثارهم، المفقود ملكهم، كانوا ولاة هذا الامر، والقائمين به، والآخذين له بحقه. وليس منكم احد يستطيع لذلك جحودا، ولا له انكارا. فنحن خلف ذلك السلف في امورهم،

(1) . النهاية وتاريخ: واوزر

(2) . تاريخ: كافتراق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت