فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 486

اخرى، حتّى انتهى فيما يقال، والله اعلم، الى جبل مطلّ على حد العراق، ممايلى مكانا يسمى بهندف، وكان موضعا امن فيه البرد لقربه من الحّر، وآمن فيه الحّر لقربه من الجبل.

وكان على الحدّ بين مملكة ابيه ومملكة ارض الاهواز. فتبوّأ مكانا طّيبا قرب ماء عين بارد. فاتّخذ فيه محرابا، واقام فيه منفردا لعبادة اللّه، جّل وعلا. وكان بقرب ذلك المكان قصر لملك الاهواز، يأتيه في ايّام القيظ، فيصيف به، ويقيم ثلاثة اشهر، ثمّ ينصرف الى مملكته. وحضر قدوم ذلك الملك، فقدم في اهله وولده وقّواده وعظماء أجناده الى ذلك المكان، ومع الملك ابنة له من اجمل اهل عصرها جمالا واكملهّن عقلا ورأيا. فركب الملك ذات يوم من ذلك القصر متنزها، فهجم على الغلام في مكانه الذى يصّلى فيه. فأمر صاحب حرسه بالمقام عنده. وقال له اذا انفتل من صلاته، فأتني به. فلما انفتل الغلام لم يملك من نفسه شيئا، حتّى أتوا به الملك. فلما رآه نظر الى غلام جميل الوجه، ورأى فيه فراسة ابناء الملوك في ثياب رثّة. فقال له يافتى: أراك مختلفة احوالك في حسن الفراسة، ورثاثة اهل الفاقة بلغت بك الى ما أرى. قال الغلام: ايّها الملك انا اغنى منك غنى، واعظم منك رغبة. قال الملك: ايها الفتى لقد جمعت بين اضداد مختلفة لا يقوم احدهما الا بفقدان الآخر، والآخر لا يوجد الا بفقدان ضدّه «1» . وكذلك لا يوجد الغنى مع العوز، ولا الرغبة مع الزهد. فأت لما قلت بحجّة! قال الفتى: ايّها الملك اما قولى انيّ اغنى منك، فانّ ذلك لقنوعى بعيشتى الّتى انا فيها، ورغبتى الازدياد من ذلك القنوع، ولا احبّ ان اتبدّل من حالى هذه الى غيرها.

قال الملك اما الغنى بالقناعة فأمر واضح، واما إلازدياد منها في حال الرغبة فلا افهمها، فبيّنه لي، بأبى انت! قال الفتى: رغبتي تجاوزت الى الامر الذى استصغرت فيه ما اراك اعظمت، وطلبت النجاة باحتمال ما اراك استقللت. قال الملك: انّ لكّل قول دلالة من الامثال والاشباه، فما الدلالة على ما وصفت؟ قال الفتى: انّ مثل ذلك مثل نفر خرجوا يريدون أرضا شاسعة في آنف من الزمان ومهلة من الوقت؛ فمرّوا بروضة قد التفّت اشجارها وتهدلّت ثمارها وكثرت انوارها، ومياهها مطردة، واكنافها مخصبة. وكانت ثمارها ثمارا طيبة المذاق وخيمة العاقبة تغذى «2» منها بقدر ما ازداد من اكلها. فلما رأى النفر الثلاثة حالّها، قال احدهم، وهو أكيسهم: انه لن ينتفع بعلمه من ترك العمل به، وليس ما يدرك من فضل الشهوة يقوم بفقدان السلامة. فغالب هواه، ونفذ على بصيرة، فنجا سالما، ولم يعلق به شى ء من أدوائها، وبلغ الغاية في وقت سبق الى اشرف المكان،

(1) . تاريخ: والحر لا يوجد الابضده البرد

(2) . النهاية: تعزى؛ ويبدو الصحيح: يضنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت