قحلة «1» ، فاصاب تلك الظباء مجهود وكانت الجيداء احسنهن جمالا في نفسها، فوقع اليهن ذات يوم قنّاص يرمي بالنشب، فلما رأى جهدهن، طمع فيهن وقفا آثارهن. فقالت الجيداء: ان الكيس لحسن، واحسن الكيس ما كان في وقت الحاجة. ولا ينبغى لمثلي التفريط في صواحباتى «2» . ولا يجمل بى اخلالهن وخذلانهن، اذ كلّفننى رعايتهن ورئاستهن وتدبير امورهن. ولابدّ من ابتغاء الحيلة لهّن. فتعارجت كانها كسيرة الرجل، وتوجّهت ناحية منفردة عن سائر الظباء. فلما رأى القانص عرجتها، وان سائر الظباء مستقلات؛ طمع في امكان رميها، وقال ابدأ بها، ثم انثني الى سائرهّن، فأرم ما امكننى منها. فاتبعها، وجعلت تتطلّع، وتنظره فاذا رماها؛ انحرفت عن الرمى، فيخطيها، ثمّ تمّر كانّها متحاملة.
فلم ينقطع طمعه منها، ولم يزل كذلك، حتى تباعدت في الارض، ووغل سائر الظباء في الهرب. فلما وثقت بالنجاة لنفسها وصواحباتها، أحضرت سعيا كانّها الريح، فأيس عند ذلك القانص، وظّن ان صواحباتها كذلك.
قال الملك للعابد: ايّها المأمون على قوله الموثوق بعلمه «3» ، قد قالوا، فقل! فقال: ان لكل عمل أوانا، وانّما تقع القضيّة عند نزول الحاجة. وقد ثبت عندنا فيما يؤثر من أمثال الحكماء انّ قوما كانوا ذوي إبل مؤبلة، وكان لابلهم فحل نفيس بالنجابة. فطعن في السن ولم يبق له نسل، فنجم من نسله فصيل، فضنّ اهله به، فقيدّوه، ولم يدعوه يقضي من ذات نفسه وطرا. حتى جامره «4» على الاقتصاد، فهلك منه، وهلك الفحل. ولو ان القوم تركوا ذلك الفصيل، فانتشر في الارض وقضى لنفسه وطرا، وسكن من شرّة شبابه؛ كان ذلك أحرى بصلاحه، إذا اعانه القدر ومّد منه الاجل.
قال الملك: صدقت ايّها العالم، انّ الله، جّل جلاله، لم يحاب أحدا في الارشاد الى دينه.
ثم قال لابنه: يا بنّى توجّه حيث تريد، واعزز عليّ بمفارقتك، وانى اوصيك بخصال ثلاث.
فاحفظهنّ عني: اقطع اسباب الهوى من قلبك، واجعل ابعد املك بقية يومك، وكن كانّك ترى ثواب عملك.
ثم تودعا، وبكيا، ومضى الغلام على وجه سائحا عليه ثياب النسّاك، والناس يبكون عليه، ويدعون اللّه، جلّ ثناؤه له، حتّى غاب عن اعينهم. فسار ترفعه ارض، وتخفضه
(1) . تاريخ: ممحملة
(2) . تاريخ: في صويحبانى، النهاية: بصواحباتى
(3) . تاريخ: بفعله
(4) . تاريخ: خامره