ان قد اصابكم ما اصاب الطير الذى يسمى شبرما. فقال زعيم القوم: ايّها الملك السعيد الجدّ الميمون النقيبة وما كانت هذه الاحدوثة. قال الملك: زعموا في بعض ما يؤثر من امثال الاوّلين ان طائرا كان يسمى شبرما، وهو من طيور جبال الثلج التى لا صبر لها على الحّر، ولا غنى بها عن الكنّ، وربما كان يقطع من البلاد ومعه اتباعه. فمّر بموضع ماء من مياه اجتمعت من الامطار بفلاة من الارض، ورأى الى جانب ذلك الماء حيّا وريفا.
فاستطاب ذلك المكان، وقال لواقمت به ايّاما، فانّه مكان طيب. فأقام به. وكان بحضرة تلك الحوبة شجرة قرع قد التفّت على اعواد، فكثر اوراقها، واتّسع فيها. فقال في نفسه: ان هذا المكان بارد فسيح منفرد عن الناس. فان تقحّم علىّ الحرّ استكننت بهذه الشجرة، ففى فيئها وكنّ ورقها ما يكف عادية الحرّ. فأقام بذلك المكان واثقا، واتّخذ فيه وكرا، وباضت انثياته، وفرخت. فلم تنهض فراخها، حتّى اشتدّ الحرّ، ونضب الماء، ويبست تلك القرعة. فارادا ان يقطعا الى مكانها الذى كانا فيه، فأشفقا ان يدعا فرخهما، ويمضيا، حتّى اصابهما العطش والحر، فقتلهما وفراخهما. فهذا مثلكم في هذا الغلام الذى أملتموه للقيام من بعدى بأمركم. فها هو ذاكم يريد اهمالكم، والخروج عن ارضكم، واعتزالكم.
فاحتجّوا، وليحتجّ! قالوا فليتكلّم، ونتكّلم، وليحكم بيننا هذا العابد!
قال الملك للغلام: تكلّم يا بنىّ! فقال الغلام: انّ احقّ ما ينبغى للعاقل ان يسعى لما فيه من اشدّ اموره، ولا يؤثر احدا على نفسه. فقد سبق في ذلك قول العلماء اذا قالوا: من آثر على نفسه، أصابه ما أصاب القطاة.
قال الملك وكيف هذه الاحدوثه قال الغلام: انّه يؤثر في بعض امثال الحكماء الماضين انّ سربا من قطا كنّ بفلاة من الارض، وانّهن أتين ذات يوم الى مكان فيه رحب كثير، ومارأوا لم يعهد به «1» فيه، فأنكرنه، وخفن ان تكون من حبائل القناص، وهبن ان يدخلنه. فقالت قطاة منهم ليست بأكيسهن: انا ادخل فيه، فاكشف «2» لكم علمه. فدخلت فتشبكت «3» بالشبكة، فهلكت، ونجت سائرهن سالمات، فقال العابد للقوم: قد تكلم خصمكم، فتكّلموا بحجّتكم! فقال الزعيم منهم: ايها العالم ان العلماء قد قالت: انّ طلب السلامة حسن، واحسن منه من طلبها لنفسه وغيره. وانّ من فعل ذلك، كان مثله مثله ظبية كانت بفلاة، وكانت تسمى الحبذاء «4» ، وكانت سيدة ظباء تلك الارض. فجاءت سنة
(1) . تاريخ: انه
(2) . أصل والنهاية: فأعلمه
(3) . تاريخ: فتشبكت
(4) . النهاية: الجيدى