فرزق الملك غلاما فسماه بوداسف واشتّد به ابتهاجه وابتهاج رعيّته وعظم سرورهم بمولده، واكثروا حمد الله، جلّ وعزّ، عليه وسألوه نماه وطول بقائه وحفظه كلاءته. فلّما بلغ التأديب؛ جمع ابوه صالح المؤدبين، فأسرعوا في تأديبه، وتعاونوا على ذلك بقوة غريزته، ونفاذ بصيرته، وعظيم الرغبة في كل ما دعا اليه رشده، وقرب من «1» حظه. فلما ان جاءته درجة «2» المتعلمين، فاستفرغ علم العالمين. فلما ادرك مدرك الرجال؛ فكّر في زوال الدنيا عن اهلها، وكثرة آفاتها وشرورها، وما يلقى صاحبها المنغمس فيها من كثرة تعبها وشدة الهمّ، ثم يؤدى ذلك الى عذاب الابد فتطّلعت نفسه الى خلع الدنيا، وتركها، وكبر عنده ان يلقى به اباه مجاهره ويخبره بذات نفسه. فأحّب ان يلطف لذلك ويأتى الأمر من وجهه «3» ، فقال يوما: يا ابه ما رأس الحكمة؟ فقال ابوه: ان راس الحكمة لزوم المحجّة قال:
فما رأس الحزامة؟ فقال: الوقوف في حالات «4» الشبه. قال: في ما تدرك بمجانبة الهوى والمحّبة. قال: فيما يبلغ الغاية؟ قال: بالجّد في طلب البغية. قال: فما أغنى الغنى؟ قال:
التسليم والقناعة. قال: فما غاية الفقر والفاقة؟ قال: إفراط الحرص والرغبة. قال: فما أكيس الكيس؟ قال: الاستعداد في المهلة. قال: فما اعجز العجز؟ قال: التفريط بعد «5» امكان القدرة. قال: فما احزم الحزم؟ قال: التفرد بعد الاستبصار.
فقال الغلام: يا ابة ان البصيرة قد نفدت فىّ، وانا سائح على وجهى لأتفّرد بنفسى، واتفّرغ. فعليك السلام.
قال له ابوه: يا بنيّ ان لك خصماء فانصفهم من نفسك! قال: وما خصمائى؟ قال:
الرعيه. ولست احكم بينك وبينهم الا بحضرتهم. ولست ادع الاخذ لهم بحقهم منك واعطاءك منهم ما يجب لك. فان احتجوا نظرت، وان صحت حجتك سلّمت.
قال الغلام: يا ابة فكيف جعلت لهم ولاية علىّ، وصيرت بينى وبينهم حكومة.
قال لان تركك القيام بأمرهم من بعدى لهم مظلمة، ولا يجوز الحكم الا بحجّة لابد من حضور وجه من وجوهم، اذا لم يعن بأمر ضعافهم ويهتّم يوما بملكهم.
قال: يا ابة! فاجعل بينى وبينهم حاكما غيرك! قال: وبمن ترضى يا بنّى؟ قال: بشمعون الراهب. قال: ذلك لك. فأمر باحضار شمعون مع نفر من وجوه اهل مملكته واشرافهم.
فتكلّم الملك، فحمد الله، جّل وعلا واثنى عليه، ثم قال: لجليل ما جمعتم له، وانى اخال
(1) . النهاية: منه
(2) . اصل والنهاية: درج
(3) . اصل والنهاية: يأتى إلا من وجهه
(4) . تاريخ: جهالة
(5) . النهاية: عن