فاعرف مكانك الذى انت فيه من ربّك، والمكان الذى انزل به ربك، جّل جلاله، رعيّتك.
استدم النّعم بحسن مجاورتها، والتمس الزيادة فيها بالشكر عليها. واعلم ان من احسن خلافة من استخلفه في اهله لأهل ان يشكر.
يا بنّى! انّ السياسة شعوب اربعة: هنّ عدل بين الوالي والرعية، وانّهن كالعمود من الميزان الذى ان رحجت كفتيه «1» ، اخرجته من حسن اعتداله الى قبيح ميله. فمنهنّ اختيار الاعوان على الدين والرعية، والجزم لا على القرابة والخاصة. فان استعانة الوالى بغير الثقة مضرة للوالى والرعيّة معا. اما الوالي فمن نقصان الفى ء وخراب الارض، وامّا الرعيّة فمما يتلوثون به من خبث سيرته ورداءة طعمته وقلّة مراقبته لرّبه، جل جلاله.
والثانية ان يكون ما جبى الوالى من بلاده واحرزه في بيوت امواله آثر عنده مما ترك لرعيّته مما يقوم به على عمارة الارض. بل ينبغى ان يعلم ان ما ترك من ذلك افضل المنفعتين، لانه استصلح به الاصل، وكان تركه من الفضل. فان جاوز ذلك، لم يقم مانال من فضل الجبابة بما عطّل من العمارة، وكان في ذلك الضرر شريكا للرعيّة.
والثالثة حفظ الاطراف وتقوية الاجناد الذين هم حماة الملك ودعائم السلطان.
وليكن ما يأكل وينفق آكد من عطيّاتهم وارزاقهم وجوائزهم عاجلا، فان المعجزة «2» في اضاعة ذلك على الوالى اشّد منها على الرعيّة مع عار الغبلة وظهور المعجزة.
والرابعة ان يعدّ الوالي نفسه غريما، وينزل رعيّته له خصما. ثم يجعل الاسباب بينه وبينهم على قدر مواقع الحقوق، فيتألّف بذلك قلوب الرعيّة ويستوجب بقاء الدولة. فانه ان اغفل ذلك، كان ما افسد من قلوب الرعيّة اكثر ضررا مما وصل الى خاصتّه من منافعه.
فافهم ما فسرت لك من ذلك، واحمل نفسك على أعماله والوقوف عنده. والسلام.
فكان الملك اذا ولى، تمّسك بذلك وأخذ به. فلم تزل هذه حالهم حتى ولّى رجل منهم يقال له فرخان بن آفرين، فسار فيهم بسيرة آبائه واحتذى مثال اوليته. فطالت ولايته حتّى كبر سنة ودقّ عظمه، ولم يرزق ولدا يخلفه من بعده في ملكه، ولم يكن في اهل بيته من يحتمل «3» اعباء الملك، ويستقّل به بأصالة رأى وظهور حزم وفضل عفاف. فعظم اهتمام فرخان الملك ورعيّته لما أشفقوا عليه من انقراض اعقاب ملوكهم الذين كانوا يستجسلون اموالهم وامورهم. ثم خرجوا الى فضاء من الارض واستجمعموا في الدعاء ان يرزق ملكهم فرخان ولدا يقوم بأمرهم من بعده. فاستجاب الله تبارك وتعالى دعاهم،
(1) . اصل وتاريخ: كفتيه رجحت
(2) . اصل والنهاية: العجلة.
(3) . تاريخ: يتحمل