قالت الملائكة: يرحمك الله يا آدم؛ فالهمه الله ان قال: يغفر الله لكم؛ فبقى ذلك الى اليوم. وانّ الله تبارك وتعالى امر الملائكة بالسجود، فسجدوا اجمعين، الّا ابليس اللعين؛ فانه استكبر وابى ان يسجد لادم؛ وقال: اني خلقت من نار، وهذا من طين، والنّار تاكل الطين. فكان ابليس «لعنه اللّه» من الجانّ الذين يسكنون الارض قبل آدم جيلا؛ يسمّون:
الجانّ، لانهم اجتنّوا من الناس، واستتروا عنهم؛ فما ظهر فهو انسيّ، وما اجتنّ فهو جنّي. وكان ابليس «لعنه الله» ؛ من اشدّ الجانّ عبادة واكثرهم اجتهادا؛ فلما عصى الله في ذلك السجود لآدم، صيّره شيطانا رجيما «لعنه الله» ؛ وسماه الله: ابليسا؛ والمبلس العاصي.
قال ابو البخترى: وحدّثنا سفيان، عن عطاء عن لشّعبي، عن ابن عباس، قال: لمّا خلق الله «جلّ جلاله» آدم، القى عليه السّنة، وهو النّعاس؛ فخلق الله «تبارك اسمه» زوجته حّواء، وهو نائم من ضلع من اضلاعه الّتي عن يساره؛ فاستيقظ آدم من نومه، فرآها قاعدة عنده الى جنبه؛ ونودى: يا آدم، هذه زوجتك وسكنك. فكان لون آدم وحّواء كاللؤلؤتين الصافيتين، وان الله اباح لهما جميع اشجار الجنّة، الّا شجرة الحنطة؛ فانهما امرا الّا يأكلا منها. وكان حبّ الحنطة ككلى البقر؛ الين من الزبد، واحلى من العسل والشّهد، واشدّ بياضا من اللبن. وكانت عاقبة طعامهما وشرابهما في الجنة الجشأ؛ وكانت عاقبة رائحة تلك الجشأ كرائحة المسك الاذفر. وكانا اذا شربا من الرحيق المختوم، بقيت لذّته على افواههما اربعين يوما.
قال ابن عباس: سمعت رسول الله، يقول: ان المرأة ضلع أعوج، فمن اراد تقويمه انكسر، ومن رفق به استمتع.
فمكث آدم وحواء في الجنة ساعة من ساعات الآخرة، وهى مقدار ثمانين عاما من اعوام الدنيا؛ وكان في الجنة دوابّ كثيرة من احسن ما يكون من الدوابّ، ولم يكن في تلك الدوابّ اجمل جمالا ولا احسن حسنا ولا ابهى منظرا من الحيّة، وكانت ذات قوائم حسنة ورأس جميل. وانّ ابليس سأل الحيّة ان تحمله على ظهرها، وتنطلق به حتى تدخله الجنة وتوصله الى آدم. فقال له ابليس اللعين: يا آدم لم لا تأكل من هذه الشجرة؟ فانّ من اكلها، عاش الى يوم القيامة، ونال من الملك العظيم، واصاب من الخير الجزيل ما لا يحاط بوصفه؛ وحلف له ان قد نصحه. فلما سمعت زوجته ذلك من ابليس اللعين، ظنّت ان الامر على ما قال، فزيّنت لآدم اكلها، وحثّته عليه؛ فاكل واكلت معه؛ وكان لباسهما في الجنّة الظّفر، فسقط عنهما لباسهما؛ حتى بدت سوآتهما، فجعلا يستران انفسهما بورق الجنة؛ وبقى الظّفر على اطراف اصابعهما. واوحى الله «عزّ وجلّ» الى آدم: ان يا آدم لم اكلت من