بكتاب المبتدا فنسخنا منه هذا الجزء، ونسّقناه والّفناه، وجعلناه اوّل كتاب السّير سير الملوك «1» ، وصيرّناه جزوا مفردا؛ وجعلناه مبتدأ خلق آدم وقصصه واخباره وهبوطه من الجنة واستيطانه بمكة؛ وكم مكث في الارض منذ هبط اليها، الى ان توفّاه الله. وقام ابنه شيث من ولده بالخلافة، الى ان افضت الى اخنوخ بن مهلا ييل بن قينان بن انوش «بن شيث» بن آدم، الى ان خلت منه. واخنوخ هو ادريس النّبىّ؛ وانّما سمّى: ادريس، لكثرة دراسته لكتب آدم واسفار شيث. والاخبار التى تنسق بعد ذلك، الى ان بعث الله نوحا، ومن دعوته قومه الى الله، عزّ وجل، وحديث الطوفان، وتفسير ما كان بعد ذلك الى وفاة نوح. ويتّسق هذا الجزء بمبتدأ كتاب سير الملوك في هذا الجزء، وافردناه وجعلناه هذا الكتاب، وهو مقدار عشر اوراق الى ان يتّصل بهذا الكتاب.
قال ابو البخترى الفقيه: حدّثني عطاء، عن الشعبى، عن ابن عباس، قال: لمّا اراد الله تبارك وتعالى ان يخلق آدم، بعث عزرائيل الملك، وامره ان يهبط الى وسط الارض، ويأخذ بكفه قبضة من تراب مكة ويعرج بها الى السّماء.
قال ابو البخترى: وذلك دليل على انّ مكة وسط الارض، ففعل ذلك. فلما انتهى بها الى السماء، قال الله جلّ وعز: يا عزرائيل انت امينى، على قبض روح من اخلقه من هذا التراب، وانت ملك الموت؛ وان الماء اصاب ذلك التراب فصار طينا وحمأ؛ فصوّر منه آدم، فمكث مصوّرا اربعين عاما. ثم قال للروح: ادخلي هذه الصورة. قال: قالت الروح:
كيف ادخل مكانا ضيّقا مظلما؟ فقال الله جلّ جلاله: ادخلي باذني؛ فدخلت. فلما حضر آدم الوفاة؛ قيل للروح: اخرجي! قالت: حين استوطنت جسدا ضيّقا ورضيت به؛ كيف اخرج منه؟ قيل لها: اخرجى باذن الله؛ فخرجت؛ فمن ثمّ صار الموت كريها على بني آدم.
فكان ذلك آخر ساعة من يوم الجمعة؛ وهي الساعة التي فرغ فيه ربّنا تبارك وتعالى، من خلق السموات والارض؛ فما من احد يدعو الى اللّه مخلصا في تلك الساعة، الّا قضيت له حاجته؛ وهى من اصفرار الشمس الى ان تتوارى بالحجاب.
قال: فدخلت الروح في منخري آدم؛ فكان كل عضو ينتهي اليه الروح من جسده، يصير لحما وعظما وعصبا. فلما انتهت الى سرّته نهض ليقوم، وفخذاه وساقاه من طين؛ فلم يستطع القيام؛ فمن ثمّ قيل: خلق الانسان عجولا «2» . فلما دخل في جميع جسده، استوى جالسا، فعطس.
(1) . تاريخ الأصمعى: وجعلنا اوّله: كتاب سير الملوك؛ النهاية: وجعلنا اوّل كتاب السير: سير الملوك
(2) . في الآية 11 من سورة الاسراء؛ فيها: «وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا»