التراب. فسار من هناك في جنوده وعساكره ما شاء اللّه، جلّ جلاله، ان يسير، حتّى انتهى الى ارض الروم.
قال الشعبى: وحدّثنا عبد الله بن سلام، قال: انّ الاسكندر لمّا انصرف من مغرب الشمس؛ وافى ارض الروم، وابتنى مدينة عظيمة هناك تسّمى قالونية «1» . واقام بها ما الله، عزّ وجلّ، به عليم «2» . ثم دعته نفسه للسير الى مطلع الشمس تقديرا من اللّه، جلّ جلاله، لينظر الى من نظر اليه بالمغرب من عظمة الله وقوّته «3» وشدة سلطانه تبارك اسمه. فجمع اليه عظماء اصحابه ورؤساء جنوده، فقام فيهم خطيبا فقال:
ايّها النّاس انّ الله جلّ جلاله قد ابلاكم بأحسن البلاء، وجعلكم عبرة لأولي النّهى، ومثلا في الورى، وقّواكم على تلك الاسفار، وصيّركم عليها، واراكم الأعاجيب، لتعتبروا بها، واعانكم، وعصمكم فيها. فاحمدوه كما خصّكم بهذه النعمة وجعلكم مثلا في البريّة الى يوم تقوم الساعة. وانّ نفسي قد تاقت «4» الى بلوغ مشرق الشمس، كما بلغت مغربها، فأنظر الى ما هناك «5» من عجائب خلق اللّه عزّ وجلّ وعظيم سلطانه وقدرته وجميل «6» لطفه، فاكون وتكونون معى مثلا الى يوم القيامة.
قالوا: ايّها الملك، كيف لك بالوصول الى مطلع الشمس ودونه البحر الاعظم المحيط بالعام، وهو بحر اصّم لا تجرى فيه السفن وماؤه غليظ منتن شبيه بالقيح.
فقال: ان الذى يحملنا في البرّ يحملنا في البحر، ولابدّ من المسير اليه، وان لم يصحبنى احد منكم.
فقالوا «7» : سربنا ايها الملك فنحن معك لا نفارقك، وقد وهبنا انفسنا لك. وبذلنا مهجنا دونك، فادع لنا الهنا والهلك تبارك وتعالى، ليقّوينا كما قوّاك، ويصّبرنا كما صبرّك. فدعا لهم بذلك، فألهموا الصبر، وشروا انفسهم لله، جلّ وعلا «8» . فسار من ارض الروم من المدينة التى تدعى قالونية «9» وكانت قبل ذلك تسمى سوريه، فخربت بعد الاسكندر فجدد بناءها ملك من ملوك الروم، يسمى قالون «10» ، فسّميت به. فسار الاسكندر في ارض
(1) . يبدو الصحيح: قونيه
(2) . النهاية: بها ما شاء الله تاريخ: بها ما شاء الله تعالى عظيم به
(3) . تاريخ: وقدرته
(4) . تاريخ: اشاقت
(5) . تاريخ: هنالك
(6) . تاريخ: جميع
(7) . النهاية وتاريخ: قالوا
(8) . تاريخ: وشرح الله انفسهم جل وعلا، النهاية: وسرو في انفسهم الله عز وجل
(9) . تاريخ: قانونية
(10) . تاريخ: قانون