عبدا صالحا، رضوان اللّه عليه، وكان له صديق من الملائكة يسمى زريائيل. فقال له:
يا زريائيل! انى احبّ ان اعيش حتى ابلغ من عبادة ربّى جلّ جلاله حقّ طاعته. قال له زريائيل: انّا معاشر الملائكة نتحدّث في السماء انّ الله، جلّ جلاله، خلق في الارض ظلمة لم يطأها انسيّ ولا جنّيّ. وفى تلك الظلمة عين تنبع من الفردوس، من شرب من مائها، لم يمت ابدا الى يوم القيامة. فلما سمع ذلك، قال لاصحابه: أي الدوابّ ابصر في الظلمة؟
قالوا المهارة «1» الحولية. فأمر فأتى بستة الآف مهر. وانتخب ستة آلاف رجل من اصحابه، وفيهم الخضر. فركبوا تلك المهارة «2» ، واقتحموا الظلمة التى بالمغرب، ومعه خرزتان تضيئان في الظلمة. فحبس واحدة معه، ودفع الاخرى الى الخضر، وقدّمه امامه في الفى رجل. فسار الخضز في تلك الظلمة ايّاما ليالى، لا يعرف ليلا من نهار، ترجّل «3» الخضر، وينزل «4» الاسكندر. فانتهى الخضر الى المكان الذى فيه العين، ورمى بالخرزة من يده، ونزل عن دابّته فاتّبع ضوأه، حتّى انتهت «5» به الى العين. فأمر اصحابه، فوقفوا ناحية من ذلك الوادى. فلما انتهى اليها؛ خلع ثيابه، فاغتسل فيها، وشرب منها. فنودي ايّها العبد الصالح، انت تخلد، ولا تموت الى يوم القيامة مع ما تنال في الارض من الخير الجزيل والفضل الكثير، فطوبى لك، ثم طوبى! وانّ هذه العين تنبع من الفردوس. فقام الخضر على شفير العين وصلّى ركعتين، ثم سبّح اللّه جلّ ثناؤه، وتقدّست اسماؤه، ثم مجدّ. وقدسه وحمده واثنى عليه ثم رمى بالخرزة، واتّبع ضوأها، حتّى رجع الى اصحابه، وهم وقوف ينتظرونه.
فركب وسار، فمّر بوادى الزبرجد. فقال لاصحابه: خذوا من هذا. فمن اخذه منكم ندم، ومن تركه ندم. فلما خرجوا الى الضوء؛ ندم الآخذ الا استكثر معه، وندم التارك الّا اخذ منه.
واخطأ الاسكندر ذلك الوادى، حتّى خرج الى الضوء والطائرين الموثقين بالعمود، وانتهى الى صاحب الصور، فقال له: ما قال، وناوله الحجر. ثم انصرفوا الى الظلمة، حتى خرجوا منها الى اصحابهم. فاخذ الاسكندر ذلك الحجر فوضعه في كّفة ميزان، ووضع حجرا في كفته الاخرى «6» . فمال به، فلم يزل يضع حتى وضع الف حجر، فمال بهما جميعا.
فأخذ الخضر الحجر، وجعل فيه كفا من تراب وجعله في الكفة الاخرى، فاستويا «7» . فقال له: ايّها الملك هذا مثل ضربه لك صاحب الصور: ان ابن ادم لا يشبع، حتّى يحثى عليه
(1) . تاريخ: المهر
(2) . تاريخ: المهارى
(3) . النهاية: نرجل، اصل بدون نقطه، تاريخ: برحل
(4) . النهاية: نزل
(5) . النهاية: انتهى
(6) . اصل: كفّه الاخرى، تاريخ: كفة اخرى، النهاية الكفة الاخرى
(7) . اصل والنهاية: تراب فاستويا، تاريخ: الكفة الاخرى وكفا من تراب