فأمر الاسكندر بجسده، فغسّل بالمسك والعنبر، وكفّنه بالديباج المنسوج بالذهب الاحمر، وامر مناديا، فنادى: ايها الناس: البسوا السلاح، واجتمعوا! وامر اثني عشر الفا منهم، فمشوا امام السرير الذى كان عليه دارا سالّين سيوفهم، ومثلهم عن يمينه وعن شماله، ومثلهم وراءه. ومشى الاسكندر امامه «1» ومشت البطارقة وعظماء جنوده ومرازبة دارا ورؤساء اهل بيته، حتّى انتهى به الى حفرته، فاستودعه اياها. فانصرف الاسكندر حزينا بموت دارا باكيا لمصيبته. فلما نظر عظماء اصحاب دارا ومزاربته ووزراؤه الى حزن الاسكندر، واسفه على فراقه، اضمروا له حبّا وودّا، وحداهم ذلك على الانقياد له ومناصحته.
ثم ان الاسكندر كتب كتابا الى اهل مملكة دارا ومن فيها من العّمال وعظماء اهل كل بلدة، وجعل النسخة واحدة، وهى:
بسم الله الرحمن الرحيم. من الاسكندر بن الفيليفوس الملك المنصور على اعدائه، الى فلان ابن فلان ومن بحضرته «2» من مزاربته واشراف اهل بيته وبلده. اما بعد، فاني حريص على صلاحكم، كاره لفسادكم، ما استقمتم. وقد اظفرنى الله، عزّ وجلّ، بكم واغنمني ارضكم ودياركم. وان دارا بن دارا ملككم اوصاني عند موته بكم، وسألني حفظكم واصطناعكم. وانا لكم بمنزلة دارا وافضل، ان سمعتم واطعتم، وادّيتم من حقّى ما يجب عليكم، ولست اكرهكم على دينكم. فمن احبّ ان يسلم فليسلم، ومن اقام على دينه، خلّينا سبيله وما ارتاد لنفسه واختارلها. ولكم اهلوكم واموالكم واولادكم وضياعكم وجميع ما ملكتم وملكت ايمانكم وارزاقكم وجوائزكم وعطاياكم ومراتبكم التى كانت على زمان دارا ملككم. ولست بمخرجكم من ارضكم، ولا مغصبكم شيئا من ضياعكم. فليفرغ روعكم، ولتطمئن قلوبكم. والسلام.
ثم ان الاسكندر اسف على دارا اسفا شديدا، واحبّ ان يعرف «3» قاتله، ولينتقم منه.
فجمع اليه عظماء مرازبة دارا ورؤساء جنوده وجميع وزرائه وقوّاده واصحاب المراتب والولايات. فقال لهم: انّي جمعتكم لاعلمكم حياطتى لكم، وحفظي اياكم، وما انا اراعيه وأنطوي عليه من حقكم، وما اوجبه لكم؛ فلتطب انفسكم وليفرغ روعكم. فقد وضع الله
(1) . تاريخ: بهم
(2) . تاريخ: يحضر
(3) . تاريخ: يرى