فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 486

ومعه وزيران كانا له. وبلغ الاسكندر ذلك، فسار في اثره في زهاء مائة فارس من ابطال جنوده، وجعل يقفو اثره حتى لحقه، فلما رأى وزيرا دارا من ورائه من حيث لا يشعر بهما فطعناه، حتى سقط مغشيّا عليه. وأدركه الاسكندر، وبه رمق، فنزل اليه ووضع رأس دارا في حجره. ومال الوزيران الى عسكر الاسكندر فاختلطا بالناس. فشق على الاسكندر ما اصاب دارا، وبكى عليه بكاء شديدا. وامر مناديا فنادى في جنوده:

الّا تقتلوا احدا، ولا تعرّضوا لاخذ الاموال ولا لغيره. وقال لدارا وهو يبكى: يا اخى، ان سلّمك الله، جلّ ثناؤه، من مصرعك هذا؛ لا خلينّ لك سلطانك، ولا سوغنّ لك جميع ارضك. فتناول دارا يد الاسكندر، ووضعها على صدره، وقال بصوت ضعيف: قد فهمت مقالتك، فجزيت على الوجد علىّ خيرا، وعلى الاسف الذى اصابنى. واما ما ذكرت تسويغك اياى ملكى، فهيهات قد حيل بينى وبين ذلك، لما ارى بنفسى. يا اخى ايّدك الله! ايّاك وان ترفع نفسك، بل تواضع لربك ذى الجلال والاكرام، وفكّر في عاقبة امرك.

واعلم ان المقادير لا تجل ملكا لملكه، ولا تحقر فقيرا لفقره. واعتبر بملكى، وانظر كيف كنت، وكيف انا اليوم شريرا طريدا مخذولا مسلوبا جميع ما كنت املك. ألست الذى استحوذت على الارض، وهان لى «1» جميع الملوك «2» ، وادّوا اليّ «3» الطاعة، واقرّوا لي بالغلبة.

فانا اليوم كما ترى بقيت صريعا طريحا فريدا وحيدا بعد الجنود الكثيرة، والسلطان المنيع: فلما سمع الاسكندر ذلك من دارا؛ رق له، وبكى عليه بكاء شديدا. فقال له دارا:

ان البكاء لا يجدي على حياتي، ولا ينفع ولا يضر؛ فاقبل عليّ بوجهك، لا وصيك بوصيتّى. فاصغى اليه الاسكندر بسمعه «4» ، واقبل عليه بوجهه. فقال له دارا: اخش الله، تبارك وتعالى، في امرى، وراقبه واحفظ من خلفت ورائي من حرمي وولدي واهل بيتي.

وعليك ب «روشنك» ابنتي، فتزوّجها. فقد كانت قّرةّ عيني وثمرة فؤادي. واستوص بأهل فارس خيرا، فانّهم اهل البأس والنجدة في الحروب. وانزل منك اخوتى بمنزلة اخوتك وولدى بمنزلة ولدك. فقال الاسكندر: انا فاعل ذلك حبّا وكرامة؛ فأخبرنى يا أخى: من الذى طعنك وأصارك الى ما ارى لانتقم منه. فلم يحر جوابا، واعتقل لسانه، ومد يديه، فقضى نحبه «5» .

(1) . النهاية: وهادنتنى

(2) . تاريخ: ملوك الارض.

(3) . النهاية: لى

(4) . تاريخ: فسمعه

(5) . النهاية: عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت