سبعا حتى اراح رجاله ودوابّه.
ثم سار، حتّى وغل في ارض فارس، وخرج اليه «1» دارا مستقبلا له، وقد اجتمع اليه «2» من الناس ما لا يحصيهم الا الله تعالى جل جلاله، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ثلاثه ايام ولياليهن.
فقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، وكان اكثر القتل في جنود دارا وجموعه. وانهزم دارا ومن معه من عظماء جنوده نحو كرمان. فنادى الاسكندر: لا تطلبوا مولّيا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تعرّضوا للغنام الا ما في عسكر القوم. فامر بقتلى اصحاب دارا، فدفنوا. واقام بفارس. ومضى دارا حتّى اتى ارض كرمان؛ فجمع اليه اشراف جنوده وعظماء وزرائه، فاستشارهم في امر الاسكندر. فاشاروا عليه ان يقّر للأسكندر بطاعته، اذ غلب على ارضه، وصار في يده اهله وخزائنه. فكتب الى الاسكندر:
بسم الله الرحمن الرحيم. اما بعد، فان اللّه عزّ وجلّ قد اعطاك الظّفر، فتغمدنا بعفوك، واعمل فينا تجاوزك، فان لك عندنا السمع والطاعة. ولا تعرض لأهلى وولدى وحشمى، فانهم نزول بهمدان، حتى اوصل اليك كنوز آبائى واجدادى، واعينك على من ناواك بنفسى وجنودى، واكون عونا من اعوانك، وعاملا من عمالك. والسلام.
فأجابه الاسكندر الى ما سأل، وكتب اليه يعلمه انّه لا بأس عليه ولا على اهله وولده وحرمه وحرم اهل بيته، وانّهم مقيمون على حالهم التى كانوا عليها بمدينة همدان لم يعرض عليهم، ولم يباحوا. وامره بالقدوم عليه، ليملّكه ارضه.
ثم ان دارا انف من ذلك ومن الدخول في طاعته، ودخلته الحميّة، وهمّ بالغدر، فكتب الى فور ملك الهند:
اما بعد، فكتابى اليك حين زال ملكى، فأقهرت عليّ سلطانى، وغلبت على تراث آبائى. فانجدني وأحسن مؤازرتي ومعاونتي، وأمددني بالجنود، وعجل بهم عليّ فانى منتظر مددك، ولست اقصّر في التوسعة عليهم وقسم الرزق السنىّ لهم. فان أظفرنى الله، جلّ جلاله، بعدوّي، جعلت لك ما اغنم من معسكره. والسلام.
وبلغ الاسكندر ما همّ به دارا من الغدر ومعاودة الحرب، فسار نحوه في جنوده، حتّى اذا قرب من دارا، وهو بارض كرمان، تفرقّ عن دارا جنوده وخذله مزاربته وكاعوا عن محاربة الاسكندر، فبقى في نفر من اهل بيته. فلما رأى ذلك دارا، هرب ليلا من عسكره،
(1) . النهاية: عليه، تاريخ: وخرج اليه
(2) . النهاية: فاتخذنى