نفسك وابادة سلطانك، ان تماديت في ضلالك، ولم تتب الى ربّك ذى الايادى عليك.
فاعتبر بمن مضى قبلك من الملوك الذين سلبوا ملكهم، وزالت عنهم نعمتهم وسلطانهم.
وانّ الله، عزّ وجلّ، بعثنى اليك لاكون عبرة لك وحجّة عليك. فلما سمع الاسكندر ذلك؛ ازداد غيطا وقال لاعوانه: ايتوبى به! فلما دنوا ليأخذوه «1» ، ارسل الله على اولئك الاعوان نارا، فاحرقتهم اجمعين. والاسكندر ينظر الى ذلك، فخّر الاسكندر مغشيّا عليه. ثم افاق، فقام الى ولىّ الله، يقبّل يده ورجله «2» ، ويتضرّع اليه، وقال: انّى تائب الى الله، جّل جلاله، من كفري وعتوّي وظلم نفسي، فتداركنى ايّها العبد الصالح بالدعاء ليشرح الله صدرى للإيمان، ويقبل توبتي وعذري. فلما نظر اليه ذلك العبد الصالح؛ رحمه، ورقّ له، وعلم انّه قد اخلص نيّته، فتاب الى ربّه، جلّ ثناؤه. فدنا منه حتى التزمه. وقال: أبشر برحمة اللّه، فانه توّاب رحيم، يحبّ التوّابين، ويتجاوز عن المسيئين. قال الاسكندر. ايّها العبد الصالح، استغفر لي، وسل ربك، عزّ وجلّ، العفو عنّي والقبول لتوبتى، واعطائى الظفر على من ناوانى. فدعاله بذلك فاستجيب له، وحسن أيمان الاسكندر، فلم تأخذه في الله لومة لائم. فقال لذلك العبد الصالح: احّب ان تشرح لي دينك، وتقيمني عليه وعلى سنن ملتّك «3» . فشرح له دينه، وامره بتوحيد الله وتعظّيمه جلّت عظمته والرضا بقضائه وقدره، والايمان ببعثه وقيامته وجنته وناره، ودعاله بالنصر على من ناواه، وان يسلطه على من يخالف ملته. ثم قال للإسكندر: مر اجنادك ان يحسموا انفسهم عن الغلول والغشم والظلم والغصب وركوب المحارم، فانّهم ان خالفوا ذلك، وجازوا الى غيره، وتعّدوا لم اغن عنهم من الله وشيئا، وحلّت النقمة بهم، وسلطّ عليهم عدوّهم. فتقدّم الاسكندر الى جنوده بذلك ثم جمع عظماء اهل مملكته ورؤساء جنوده، فقام فيهم خطيبا فقال:
الحمد الله الذى استخلص الحمد لنفسه، وتفّرد بالكبرياء دون خلقه، وقهر بالملوك بسلطانه ودوام ملكه «4» ، واذّل «5» الحبابرة بعزّته، ودان ما بين الخافقين لعظمته. احمده على اياديه ومننه، واستعينه على اداء شكره بما انعم علينا من فضله وآتانا من ملكه. وأسأله شرح قلوبنا لمرضاته وعصمتنا من الغرة وارتكاب المحارم وما يسخطه. ايها الناس انه قد اتانا على ملككم الفيليفوس ما أتى على غيره من الموت الذى لا محيص له ولا محاباة
(1) . تاريخ: يأخذوه
(2) . تاريخ: يديه ورجليه
(3) . النهاية: الملك، تاريخ: وتقيمنى عليه
(4) . تاريخ: ودام ملكه
(5) . النهاية: فازال