فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 486

العاتى، المتّمرد على ربّه، المغرور بما أوتى من سلطانه، الزائل وشيكا عنه ملكه، الا تخاف الله الذى خلقك فسّواك، وافضل عليك، واعطاك ملكا وسلطانا، الا تعتبر بالملوك الذين كانوا من قبلك الذين انقرضوا وبادوا وادرجوا وماتوا، فما اغنى عنهم ملكهم، ولا يمنعهم من الموت مانع ولا قوة سلطانهم، الست تأكل مما ياكلون وتلبس مما يلبسون؟ اتّق الله فانّك لا حق بهم وشيكا، ومفض الى التراب، فتؤوب شر مآب؛ ولا تقال العثرة ولا تنفعك الحسرة! فلما سمع الاسكندر ذلك؛ غضب شديدا، وقال لذلك العبد الصالحك سانتقم منك قريبا لتجبّهك ايّاى في مثل الذى جبهتنى «1» وبمشهد من عظماء اهل مملكتى، واجعلك أحدوثة لمن يكون بعدى لجرأتك عليّ، وقلّة هيبتك لى، فقال العبد الصالح: لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثمّ امر به الى السجن، فحبس ايّاما ثلاثة. فلما كان في اليوم الرابع؛ ارسل الله الى ذلك العبد الصالح ملكا من الملائكة، فأتاه فقال له: قم فاخرج «2» من هذا البيت! قال له: وكيف اخرج، وقد حبسنى «3» هذا الجبّار العاتي الظالم عند ما أمرته بتقوى اللّه وترك التمّرد على عباد الله؟

قال له الملك: ارفع رأسك الى السقف! فرفع راسه، فنظر الى السقف منفرجا. ثم اختظف من ذلك البيت، وحمل حتّى وضع في منزله. فلمّا بلغ الاسكندر ذلك دعا بصاحب محبسه «4» فقال: اين الرجل الذى سلّمته اليك، وامرتك بحفظه؟ فقال: انه نودى وقيل له كذا وكذا. ثم انفرج السقف، واختطف وهو منفرج على هيئته، فابعث من ينظر اليه! فقام الاسكندر في نفر من بطارقته، حتّى اتى ذلك المجلس «5» ، ورأى سقفا منفرجا، فاقشعّر جلده، وصغر في نفسه ملكه. فركب في نفر من خاصتّه، وقدّم اناسا من ثقاته ليطلبوا ذلك الرجل. فانتهوا اليه، وهو على رأس جبل يعبد فيه الرب تبارك وتعالى. فلما دنوا منه؛ زجرهم. وقال: ارجعوا الى صاحبكم هذا العاتى على ربه المتّمرد على عباده «6» . فانّ الله، عزّ وجلّ، رافع ذكره، ومسلطّه على جميع أرضه واقطار بلاده، حتى يملك جميع بريتّه، وان تمادى في طغيانه، وانهمك في غيّه، فان ملكه مسلوب عنه، واجله قريب منه. فانطلق القوم فاخبروا الاسكندر بمقالته، فازداد غيظا من قوله وحنقا، وسار نحوه. فلما انتهى اليه، قال: ما هذه الرسالة التى كتبت بها الى؟ قال له ولّىّ الله: انّى نذير لك من هلاك

(1) . تاريخ: لتجهمك ... جهمتنى

(2) . هنا: واخرج

(3) . هنا: الله تعالى

(4) . النهاية: سجنه

(5) . النهاية: الحبس

(6) . النهاية: العاتى المتمرد على ربه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت