وما زال العلماء رحمهم الله يجتهدون في الوقائع فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، كما في الحديث (1) ، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم. وأما إذا لم يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهم فيه حديث، أو ثبت وله معارض أو مخصص ونحو ذلك فحينئذ يسوغ للإمام أن يجتهد. وفي عصر الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى إنما كان طلب الأحاديث ممن هي عنده باللُقى والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين. ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف ودونوا الأحاديث ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها. والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين. فسهل الأمر على طالب العلم. وكل إمام يذكر الحكم بدليله عنده، وفي كلام ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على أن من يبلغه الدليل فلم يأخذ به - تقليدًا لإمامه - فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفته الدليل.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عمر البزار، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيدة الحداد عن مالك بن دينار عن عكرمة ابن عباس قال: ليس منا أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) وذلك في حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"البخاري، كتاب الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ،حديث (7352) ، ومسلم ، كتاب الأقضية: باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ،حديث (1716) ، (15) .