وكلمة { أعلم } : اسم تفضيل، وقال بعض المفسرين ولا سيما المتأخرون منهم: { أعلم } بمعنى عالم، وذلك فرارا من أن يقع التفضيل بين الخالق والمخلوق، وهذا التفسير الذي ذهبوا إليه كما أنه خلاف اللفظ، ففيه فساد للمعنى، لأنك إذا قلت: أعلم بمعنى عالم، فإن كلمة عالم تكون لإنسان وتكون لله، ولا تدل على التفاضل، فالله عالم والإنسان عالم.
وأما تحريف اللفظ، فهو ظاهر، حيث حرفوا اسم التفضيل الدال على ثبوت المعنى وزيادة إلى اسم فاعل لا يدل على ذلك.
والصواب أن { أعلم } على بابها، وأنها اسم تفضيل، وإذا كانت اسم تفضيل، فهي دالة دلالة واضحة على عدم تماثل علم الخالق وعلم المخلوق، وأن علم الخالق أكمل.
وقوله: { بما في صدور العالمين } . المراد بالعالمين: كل من سوى الله ، لأنهم علم على خالقهم، فجميع المخلوقات دالة على كمال الله وقدرته وربوبيته. والله أعلم بنفسك منك ومن غيرك، لعموم الآية.
وفي الآية تحذير من أن يقول الإنسان خلاف ما في قلبه، ولهذا لما تخلف كعب بن مالك في غزوة تبوك قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - حين رجع: إني قد أُوتيت جدلا، ولو جلست إلى غيرك من ملوك الدنيا، لخرجت منهم بعذر، لكن لا أقول شيئا تعذرني فيه فيفضحني الله فيه) (1) .
الشاهد من الآية: قوله: { فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } فخاف الناس مثل خوف الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البخاري: كتاب المغازي /باب حديث كعب بن مالك، حديث (4418) ، مسلم: كتاب التوبة/ باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، حديث (2769) .