فإن قيل: ينتقض هذا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله في الكسوف: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده) (1) ؛ فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار.
والجواب من وجهين:
الأول: أنه لا يسلم أن للكسوف تأثيرا في الحوادث والعقوبات من الجدب والقحط والحروب، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) (2) ، لا في ما مضى ولا في المستقبل، وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون، وهذا أقرب.
الثاني: أنه لو سلمنا أن لهما تأثيرًا؛ فإن النص قد دل على ذلك، وما دل عليه النص يجب القول به، لكن يكون خاصًا به.
لكن الوجه الأول هو الأقرب: أننا لا نسلم أصلًا أن لهما تأثيرًا في هذا؛ لأن الحديث لا يقتضيه؛ فالحديث ينص على التخويف، والمخوف هو الله تعالى، والمخوفة عقوبته، ولا أثر للكسوف في ذلك، وإنما هو علامة فقط.
الثاني: علم التسيير. وهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية؛ فهذا مطلوب، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة؛ فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة؛ فهذا فيه فائدة عظيمة.
الثاني: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية؛ فهذا لا بأس به، وهو نوعان:
النوع الأول: أن يستدل بها على الجهات؛ كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالًا، وهكذا؛ فهذا جائز، قال تعالى: { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } (النحل: 16) .
(1) البخاري: كتاب الجمعة / باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يخوف الله عباده بالكسوف، (1048) ، ومسلم: كتاب الكسوف / باب: ما عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (907) .
(2) التخريج السابق.