وقوله: {أَسْلَمْنَا} من الإِسلام بمعنى الاستسلام والانقياد الظاهرى بالجوارح، دون أن يخالط الإِيمان شغاف قلوبهم. أي: قالت الأعراب لك - أيها الرسول الكريم - آمنا وصدقنا بقلبونا لكل ما جئت به، وامتثلنا لما تأمرنا به وتنهانا عنه.
قل لهم {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} أي: لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب وخلوص نية. .
{ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} أي: ولكن قولوا نطقنا بكلمة الإِسلام: واستسلمنا لما تدعونا إليه استسلاما ظاهريا طمعا في الغنائم، أو خفوا من القتل.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما وجه قوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال: قل لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا. .
قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا، ودفع ما انتحلوه، فقيل: قل لم تؤمنوا، وروعى في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه، حيث لم يقل: كذبتم، ووضع،"لم تؤمنوا"الذي هو نفى ما ادعوا إثباته موضعه. .
واستغنى بالجملة التي هي"لم تؤمنوا"عن أن يقال: لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإِيمان. .
وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} جملة حالية من ضمير،"قولوا"و"لما"لفظ يفيد توقع حصول الشيئ الذي لم يتم حصوله.
أى: قولوا أسلمنا والحال أنه لم يستقر الإِيمان في قلوبكم بعد، فإنه لو استقر في قلوبكم لما سلكتم هذا المسلك، ولما مننتم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإسلامكم.
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإِيمان أخص من الإِسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، حين سأل عن الإِسلام.
ثم عن الإِيمان. . فترقى من الأعم إلى الأخص.
كما يدل على ذلك حديث الصحيحين"عن سعد بن أبى وقاص، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعطى رجلا ولم يعط آخر. فقال سعد: يا رسول الله، مالك عن فلان إنى لأراه مؤمنا، فقال:"أو مسلما"".
فقد فرق - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمن والمسلم. فدل على أن الإِيمان أخص من الإِسلام.
كما دل هنا عن أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان في قلوبهم. فادعو لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا بذلك.