قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة أوقات. وإن أريد المعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف.
وقال صاحب فتح البيان:"قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير،"كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور"."
وقوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش}
قال الشيخ القاسمي:
ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار، ومنه {واستوت عَلَى الجودي} وبمعنى القصد ومنه {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ} وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه.
قال الفراء: تقول العرب استوى إلى يخاصمنى أي: قصد لي وأقبل على. ويأتي بمعنى الاستيلاء.
قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... ويأتي بمعنى العلو ومنه هذه الآية.
قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الردل على الجهمية في باب قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء} أي: علا وارتفع.
وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا محمولا.
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية، وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات.
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أن صفة لله تعالى بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير} وأنه يجب الإيمان بها كما ورت وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى.
فعن أم سلمة - رضي الله عنها - في تفسير قوله تعالى: {الرحمن عَلَى العرش استوى} أنها قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر.
وقال الإمام مالك: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه.
وقال الإمام الرازي: إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه.
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه - أي الاستواء - عن ظاهره لاستحالته، وأن المراد منه - كما قال الإمام القفال - أنه استقام ملكه، واطرد أمره ونفذ حكمه تعالى في مخلوقاته، والله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر في قلوبهم"تنبيها على عظمته وكمال قدرته"وذلك مشروط بنفى التشبيه، ويشهد بذلك قوله تعالى: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبِّرُ الأمر} هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التي تتعلق بالمحكم والمتشابه فليرجع إليها من شاء.