«فإن قلت» : فما معنى التوقع في قوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ؟
قلت: معناه أنهم كذبوه به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليدا للآباء، وكذبوه بعد التدبر تمردا، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم.
ويجوز أن يكون معنى {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب، يعني أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإِخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإِعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه.
وقال الآلوسي: وعبر - سبحانه - بقوله: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} دون أن يقال. بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإِيذان بكمال جهلهم به، وأنهم لم يعلموه إلا بعنون عدم العلم به، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما في حيز الصلة له، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما، إلا أنه عدل منه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ.
ونفى إتيان التأويل بكلمة {لما} الدالة على توقع منفيها بعد نفي الإِحاطة بعلمة بكلمة"لم"لتأكيد الذم، وتشديد التشنيع، فإن الشناعة في تكذيب الشيء، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل عمله مطلقا.