قال الجمل:
«فإن قلت» : قال في أول الآية: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وقال هنا: {وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا} وهذا عطف للشيء على نفسه فما فائدة ذلك؟
قلت: الفائدة أن المراد بقوله تعالى: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} بيان شرطين من شروط الدعاء وبقوله: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وقال هنا: {وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا} بيان شرطين آخرين، والمعنى: كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما"."
وقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين} أي إن رحمته تعالى وإنعامه على عباده قريب من المتقنين لأعمالهم، المخلصين فيهما، لأن الجزاء من جنس العمل، فمن أحسن عبادته نال عليها الثواب الجزيل، ومن أحسن في أمور دنياه كان أهلا للنجاح في مسعاه، ومن أحسن في دعائه كان جديرًا بالقبول والإجابة.
قال الشيخ القاسمي: وفي الآية الكريمة ترجيح للطمع على الخوف، لأن المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته - سبحانه - وسبقها، غلب الرجاء عليه. وفيها تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وهو الإحسان في القول والعمل.
قال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين"."
هذا، وكلمة"قريب"وقعت خبرًا للرحمة، ومن قواعد النحو أن يكون الخبر مطابقا للمبتدأ في التذكير والتأنيث، فكان مقتضى هذه القواعد أن يقال إن رحمة الله قريبة. وقد ذكر العلماء في تعليل ذلك بضعة عشر وجها، منها أن تذكير"قريب"صفة لمحذوف أي أمر قريب، أو لأن كلمة الرحمة مؤنثة تأنيثا مجازيا، فجاز في خبرها التذكير والتأنيث أو لأن الرحمة هنا بمعنى الثواب وهو مذكر فيكون تذكير قريب باعتبار ذلك وقيل غير ذلك مما لا مجال لذكره هنا.