فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 627

والمقصود بآل فرعون: هو وأعوانه وبطانته، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاص بالمضاف إليه.

والمعنى: شأن هؤلاء الكافرين الذين حربواك يا محمد، والذين هلك منهم من هلك في بدر، شأنهم وحالهم وعادتهم فيما اقترفوه من الكفر والعصيان وفيما فعل بهم من عذاب وخذلان، كشأن آل فرعون الذين استحبوا العمى على الهدى، والذين زينوا له الكفر والطغيان حتى صار عادته له ولهم، وقد أخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، بسبب كفرهم وفجورهم.

وقد خص - سبحانه - فرعون وآله بالذكر من بين الأمم الكافرة، لأن فرعون كان أشد الطغاة طغيانا، وأكثرهم غرورا وبطرا، وأكثرهم في الاستهانة بقومه وفي الاحتقار لعقولهم وكيانهم.

ألم يقل لهم - كم حكى القرآن عنه - {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى} وألم يبلغ به غروره أن يقول لهم: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} أما آله وبطانته وأعوانه، فهم الذين زينوا له السوء، وحرضوه على البطش موسى لأنه جاءهم بالحق، ولقد حكى الله عنهم نفاقهم وضلالهم وانغماسهم في الآثام في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} ولقد وصف الله تعالى قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل، والخروج عن كل مكرمة فقال: {فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} وذلك لأن الأمة التي تترك الظالم وبطانته يعيثون في الأرض فسادًا، لا تستحق الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران.

وقوله {كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله} تفسير لصنيعهم الباطل، ودأبهم على الفساد والضلال.

والمراد بآيات الله: ما يعم المتلوة في كتب الله تعالى، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم.

وفي إضافتها إلى الله: تعظيم لها وتشريف، وتنبيه إلى قوة دلالتها على الحق والخير.

وقوله: {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} معطوف على قوله {كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله} لبيان ما ترتب على كفرهم من عقوبات أليمة.

وفي التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العذاب، فهو - سبحانه - قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذي لا يستطيع الفكاك من آسره.

والباء في قوله: {بِذُنُوبِهِمْ} للسببية أي كفروا بآيات الله فعاقبتهم - سبحانه - بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره.

ويجوز أن تكون للملابسة، أي: أخذهم وهم تلبسون بذنوبهم دون أن يثوبوا منها، أو يقعلوا عنها.

وعلى الوجهين فالجملة الكريمة تدل على كمال عدل الله تعالى لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم استحقوا العقاب.

والمراد بذنوبهم: كفرهم وما ترتب علهي من فسوق وعصيان، وأصل الذنب: الأخذ بذنب الشيء أي بمؤخرته، ثم أطلق على الجريمة، لأن مرتكبها يعاقب بعدها.

وقوله: {إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب} تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ الشديد، بسبب الكفر والمعاصي.

أى: إن الله تعالى قوى لا يغلبه غالب، ولا يدفع قضاءه دافع، شديد عقابه لمن كفر بآياته، وفسق عن أمره.

وقوله: {ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ. . .} بيان لسنة من سننه تعالى في خلقه، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإِشارة: {ذلك} يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله تعالى {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} .

وهو، أي: اسم الإِشارة مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - {بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا. .} إلخ.

والمعنى: ذلك الذي نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهيى، فقد جرت سنته - سبحانه - في خلقه، واقتضت حكمته في حكمه ألا يبدل نعمه بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب، واجتراح السيئات، فإذا لم يتلق الناس نعمه - عز وجل - بالشكر والطاعة، وقابلوها بالكفر والعصيان، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا.

وشبيه بهذا قوله تعالى في آية أخرى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} قال الفخر الرازي: قال القاضى: معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن.

قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة.

وقال صاحب الكشاف:""

«فإن قلت» : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركى مكة حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟

قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإِمهال وعاجلهم بالعذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت