وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريم'، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشيء من التفصيل.
المسألة الأولى: آراء العلماء في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.
المسألة الثانية: آراء العلماء في نزول المائدة وعدم نزولها.
وللإجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء} ؟
فإن هذا القول يسشعر بشكهم في قدرة الله على إنزال هذه المائدة.
وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشري - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف في قوله: {إِذْ قَالَ الحواريون} متعلقا بقوله قبل ذلك {قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} .
أي: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، في الوقت الذي قالوا له فيه {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} .
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف قالوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بعد إيمنهم وإخلاصهم؟
قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين، وقوله: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
1 -أن الظرف في قوله: {إِذْ قَالَ الحواريون} ليس متعلقا بقوله: {قالوا آمَنَّا} وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود في تفسيره فقد قال:
قوله: {إِذْ قَالَ الحواريون} كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار في موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.
وقي: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم.
2 -أن قول الحواريين لعيسى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء} لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.
(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك في قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظري بدليل أنهم قالوا بعد ذلك {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} .
وشبيه بهذا قول إبراهيم {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} قال القرطبي ما ملخصه:"الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبرونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى} وقد كان إبراهمي علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر واخلبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} كما قال إبراهيم {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسي هذا المعنى فقال: إن معنى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معي مبالغة في التقاضي."
والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هي - أي الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.
(ج) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازي: قال السدي؛ قوله {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} أي: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.
والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التي ذكرناها، ولأن الله تعالى قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذرهم.
ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بهم في إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنصَارُ الله} وقال تعالى {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فهاتان الآيتان صريحتان في مدح الحواريين وفي أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.