فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 627

وصفهم - أولا - بقوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} .

ومحبة الله تعالى للمؤمنين هي أسمى نعمة يتعشقونها ويتطلعون إليها، ويرجون حصولها ودوامها. وهي - كما يقول الآلوسي - محبة تليق بشأنه على المعنى الذي أراده.

ومن علاماتها: أن يوفقهم - سبحانه - لطاعته، وأن ييسر لهم الخير في كل شئونهم.

ومحبة المؤمنين لله تعالى معناها: التوجه إليه وحده بالعبادة، واتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به، والاستجابة لتعاليمه برغبة وشوق.

وقوله: {يحبهم} جملة في محل جر صفة لقوم. وقوله"يحبونه"معطوف على {يحبهم} .

وقدم - سبحانه - محبته لهم على محبتهم له، لشرفها وسبقها، إذ لولا محبته لهم لما وصلوا إلى طاعته.

وصفهم - ثانيًا - بقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} .

وقوله: {أذلة} جمع ذليل، من تذلل إذا تواضع وحنا على غيره، وليس المراد بكونهم أذلة أنهم مهانون، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب للمؤمنين.

وقوله: {أعزة} جمع عزيز وهو المتصف بالعزة بمعنى القوة والامتناع عن أن يغلب أو يقهر ومن قوله تعالى {وَعَزَّنِي فِي الخطاب} أي: غلبني في الخطاب.

والمعنى: إن من صفات هؤلاء القوم الذين يأتي الله بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم، أنهم أرقاء على المؤمنين، عاطفون عليهم متواضعون لهم، تفيض قلوبهم حنوا وشفقة بهم. وأنهم في الوقت نفسه أشداء على الكافرين، ينظرون إليهم نظرة العزيز الغالب، لا نظرة الضعيف الخانع.

وهذه - كما يقوال ابن كثير - صفات المؤمنين الكمل. أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه كما قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} ومن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم:"أنه الضحوك القتال"فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.

وقال صاحب الكشاف:

«فإن قلت» : هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟

قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع.

والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم.

وقال الطيبي: إن قوله تعالى {أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} جيء به للتكميل، لأنه لما وصفهم قبل ذلك بالتذلل، ربما يتوهم أحد أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم فدفع ذلك الوهم بأنهم مع ذلتهم على المؤمنين أعزة على الكافرين على حد قول القائل:

جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيم ألم بهم خفاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت