فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 627

وقوله: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين} بيان لنعمة أخرى. وللمفسرين في معنى هذه الجملة اتجاهان: أحدهما: أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم، وأنزلنا المن والسلوى عليهم.

قال الآلوسي: قوله: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين} حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، ونظائرهما، فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقا من بعض الوجوه، لا من كلهان ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافى ذلك تفضيل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم من وجه آخر، ومن جهة المرتبة والثواب.

والثاني: أن المقصود بها: فضلناهم على عالمى زمانهم.

قال الإِمام الرازي، ما ملخصه:

فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين، يقتضى تفضيلهم على أمة - محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل، فكيف الجواب؟

قلنا: الجواب من وجه أقربها إلى الصواب أن المراد: فضلتكم على عالمى زمانكم، وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود، لم يكن من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن موجودة في ذلك الوقت، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت، أنهم أفضل من الأمة الإِسلامية.

وقال الشيخ الشنقيطي ما ملخصه: قوله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين} .

ذكر - سبحانه - في هذه الآية أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، كما ذكر ذلك في آيات أخرى. . ولكن الله تعالى بين أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير من بني إسرائيل، وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فخير صيغة تفضيل، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم.

ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيرى،"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أمته: أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله"، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وهو حديث مشهور.

واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإِسلامية أفضل من بني إسرائيل وغيرهم لا يعراض ما ورد من آيات في تفضيل بني إسرائيل.

لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمعلوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل على غيره، أو يفضل غيره عليه.

ولكنه تعالى بعد وجد الأمة الإِسلامية صرح بأنها خير الأمم، فثبت أن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة.

وهذا الاتجاه الثاني هو الذي نرجحه، لأن المقصود بالآية الكريمة وأمثالها تذكير بني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - بنعم الله عليهم وعلى آبائهم، حتى يكشروه عليها.

ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولكن بني إسرائيل لم يقابوا تلك النعم بالشكر، بل قابلوا بالجحود والحسد للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله تعالى من فضله، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.

ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة البقرة: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين} والعبرة التي نستخلصها من هذه الآية وأمثالها: أن الله تعالى فضل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية، ومنحهم الكثير من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. . فسلب الله عنهم ما حباهم به من نعم. ووصفهم في كتابه بنقض العهد، وقسوة القلب.

وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح، وليس للجنس أو اللون أو النسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت