قالوا ولما دخلوا عليه ليقضوه أظلمت الأرض والسماء فظن ذروه أن ذلك من أجل صلبه ، ولهذا ذكروا هذا السبب فِي الأناجيل الأربعة ، قالوا ولما صلب المنافق الذي شبه به ذهبت إليه أمه ومريم المجدلية التي أبرأها من الجنون وصارتا تبكيان عليه ، فجاءهما عيسى عليه السلام إذ نزل به جبريل من السماء وقال لهما إني لم أصلب وان ربي رفعني إلى السماء ولم يعلم اليهود أن اللّه ألقى شبهي على يهوذا الأسخريوطي الذي دلهم عليّ ، وانه هو الذي صلب وعذب وأهين ، وان اللّه ربي حفظني من كيدهم وجازاه بذلك ، وجمع الحواريين وأخبرهم بذلك وأمرهم أن يبثوا دعوته فِي الأرض وخولهم شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص ، وقد تحققوا ذلك كله لأنهم لم يروا يهوذا حين القبض ولا بعد الصلب بما أقنعهم أنه هو
المصلوب ، وجعلهم رسلا من بعده إلى الناس ، ومتّعهم بوصاياه القيمة كما أشرنا إلى هذا فِي الآية 13 من سورة يس ج 1 ، ومن أراد التفصيل فليراجع إنجيل برنابا عليه السلام ففيه كل شيء يتعلق بهذا وغيره من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وهو أصح الأناجيل وموافق لما جاء فِي القرآن العظيم.
وفي قوله تعالى (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ) إشارة إلى رفع روحه وجسده صلّى اللّه عليه وسلم ليلة القبض عليه ، وردّ لمن قال إن الرفع كان للاهوتية (أي روحه) دون الناسوتية (أي جسده) وفيها إشارة أخرى إلى أنه عليه السلام سينزل إلى الأرض ، لأن المعنى رافعك إلى الآن ، ومنزلك إلى الأرض ومتوفيك فيها بعد على اعتبار التقديم والتأخير فِي كون الواو لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا ، وقد ألمعنا إلى ما يتعلق بهذا فِي الآية 66 من سورة الزخرف ج 2 فراجعها.