يقول الفخر الرازي في كتابه المطالب العالية: (إن فلاسفة اليونان كانوا يستمدون الفيوض من القبور وأهلها، إذا اعترتهم مشكلة من المشكلات، وكان الفلاسفة من تلاميذ أرسطو إذا دهمتهم نازلة ذهبوا إلى قبره للحصول على المدد والفيض) [1] .
وبما أن القوم فلاسفة وليسوا مقلدين لما كان عليه الآباء والأجداد فقد خرَّجوا تعلقهم بالقبور تخريجًا علميًا مبنيًا على نظريتهم العامة في الإلهيات، حيث يؤمنون بنظرية الفيض أي أن"العقل الفعال"الذي هو موازٍ للإله يفيض على من دونه من المخلوقات.
وبما أن أرواح الموتى القديسين هي كذلك آلهة صغيرة حسب العقيدة اليونانية العامة فإن تلك الأرواح تفيض على من زارها طالبًا منها الشفاعة، وذلك بحسب يقين الزائر وفنائه في المزور واستعداد نفسه لتقبل ذلك الفيض، وهي بدورها تتلقى الفيض من الإله الأعظم، وقد مثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره، فإن الشمس إذا وقعت على الماء أو مرآة وانعكس شعاعها على حائط أو غيره حصل النور في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة، قالوا: فهكذا الرحمة تفيض على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين، ثم تفيض بتوسطهم على نفوس المتعلقين بهم، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة فكذلك الفيض لابدّ فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة [2] .
(1) المطالب العالية (7 - 228) بواسطة جهود الحنفية في إبطال عقائد القبورية (1 - 416) للدكتور شمس الدين السلفي الأفغاني، دار الصميعي الرياض، الطبعة الأولى (1416 هـ - 1996 م) .
(2) انظر الاستغاثة في الرد على البكر ي (2/ 410 - 411) لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق عبد الله بن دجين السهيلي، دار الوطن، الطبعة الأولى (1417 هـ - 1997 م)