فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 528

(أجمع علماء التاريخ ورواة الأخبار من أهل اليمن أن القاضي محمد بن علي الصليحي والد الأمير علي بن محمد الصليحي كان فقيهًا عالمًا سنيّ المذهب، وكان قاضيًا في بلده حسن السيرة مرضي الطريقة، وكان أهله وجماعته يطيعونه ولا يخرجون عن أمره، وكان الداعي عامر بن عبدالله الزواحي يلوذ به، ويركب إليه كثيرًا؛ لرياسته وسؤدده وصلاحه وعلمه، فرأى يومًا ولده عليًا فلاحت له فيه مخايل النجابة، وكان يومئذ دون البلوغ، وكان الداعي عامر بن عبدالله الزواحي كلما وصل إلى القاضي يتحدث مع ولده علي المذكور، ويخلو به، ويطلعه على ما عنده حتى استماله، وغرس في قلبه ولبِّه ما غرس من علومه وأدبه ومحبة مذهبه، وقيل: كانت عند الداعي عامر بن عبدالله الزواحي حلية الصليحي في كتاب"الصور"، وهي من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على مستقبل حاله وشرف مآله، وأطلعه على ما أطلعه عليه سرًا من أبيه القاضي محمد وأهله جميعًا، ثم مات الداعي عامر بن عبدالله الزواحي، فأوصى له بجميع كتبه، وأعطاه مالًا جزيلًا قد كان جمعه من أهل مذهبه، وقد كان رسخ في ذهن الصليحي ما رسخ، فعكف على الدرس، وكان ذكيًا فلم يبلغ الحلم حتى تضلع في معارفه التي بلغ بها، وبالجد السعيد تدرك غاية الأمل البعيد، فكان فقيهًا في مذهب الإمامية، متبصرًا في علم التأويل، ثم صار يحج بالناس دليلًا على طريق السراة، ولم يزل كذلك نحوًا من خمس عشرة سنة، وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، فكره ذلك، ونكره على من يقوله مع كونه قد شاع على ألسنة الخاصة والعامة، فلما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار وهو أعلى جبل في تلك الناحية) [1] .

(1) العسجد المسبوك ص (56) ، وانظر: قرة العيون ص (173 - 174) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت