فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 183

ونعرِّجُ قليلًا على وضع الأخوات في ظلِِّ الحضارة المعاصرة لنجد الأخت - في غالب أحوالها - منقطعة الصلة الروحية مع إخوتها وذلك لجرعة الحرية الزائدة عن الحد والممنوحة للبنات في بلاد التحضر والتحرر من أسمى الفضائل.

إنَّ علاقة الأخ بأخته أدنى وأقلُّ من علاقته بصديقته مع افتقاد روح الحميمية والدفء الأسرى بينهما، لأن لكل منهما شأنٌ يشغله ويغنيه، ثم إن طقسَ الحياة العام وإيقاعها السريع لا يسمح لها بمزيد الوقت لإلتقاء الأفكار ومشاركة المعاني الروحية، فتفقد هذه الأخت مورد الحنان الأخويِّ الفطريِّ مع معاناة الأسرة بوجهٍ عامٍّ من التمزق بين أركانها فلا رابطَ يجمعهم بالالتقاء إلا أيام الآحاد والعطلات حيث يُسارق كل فرد منهم بعض الوقت لملاقاة أفراد الأسرة ثم يُطلق ساقيه للريح بعد ذلك إلى أماكنَ يَرُومُ الذهاب إليها.

ومن السذاجة أن نماثل بين المجتمعات المفككة والمجتمعات المحافظة والمبقية على سر تماسكها، ومن صور التحضر ألا يساءل الأخ أخته عن فعلٍ فعلته أو يُلقى إليها اللوم على تدنيس اسم العائلة حيث يجدها ترتع في مراتع الشبهات، إن للأخت حينئذ حجتها التي منحتها لها الحضارة على طبقٍ من ذهب، وقد تعارف الناس على ذلك ومضوا عليه حتى أصبح واقعًا لا يُنكر، ومن ثمََّ لا تكون بين الأخت وأخيها إلا علاقة حسن الجوار والمحافظة على الاشتراك في اسم العائلة.

وما أشبه وضع البنات بالأخوات في محيط الأسرة المتحضرة حيث تنشأُ على مشاهد من الفِراقِ الروحىِّ الناجمِ عن إيقاع الحياة العصرية رغم ما يحيط بها من وسائل الرفاهية.

والمجتمعات الغربية تترك مسؤولية الفتاة على نفسها متى ناهزت أربعة عشرة ربيعًا من ... عمرها - إلا القليل من الأسر - فإن أرادت أن تكمل مشوارها في ساحات العلم فعليها أن توازن بين التعلم وبين اصطياد فرصةِ عملٍ تساعدها على مطالب المدارس والجامعات وبقية الحاجيات، وقد يتفضل عليها أحد الوالدين ببعض الإنفاق، ولابد أن تلقى هذه المسئولية بظلالها على هذه النفس التي حُمِّلَتْ أثقالًا على كواهلها وهى لم تزلْ في نعومة الصبا وتحفر أخاديد الضجر والإحساس باليتم رغم أن الوالدين على قيد الحياة:

إن اليتيم هو الذي تلقى له ... أمًا تخلَّتْ أو أبًا مشغولًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت