وقد كانت أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر - رضي الله عنهما - أعلمَ الناس بالفرائض (علم المواريث) وأعلم الناس بالحلال والحرام لدرجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى بأخذ أمور الدين عنها، وكثيرًا ما يذكر الفقهاء في كتبهم رأيها باعتباره رأيًا له قيمته وغالبًا ما يكون له الترجيح على غيره من الآراء وذلك لمعايشتها الدائمة لأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد وصفها معاوية بن أبى سفيان (- رضي الله عنه -) بأنها أفصح العرب.
وحرْصُ الإسلام على تعليم المرأة أمرٌ واضحٌ للعيان ولا ينكره إلا جاهل أو فتان، فقد عاشت المرأة عبر تاريخ الإسلام تتفيأ ظلال العلم وتحصد مآثرهُ الغراء رفعةً لنفسها وتعليمًا لمجتمعها وتربية لنشئها.
وقد حملت أعلام حضارة الإسلام نابغاتٌ من النساء في كل زمانٍ بمشاركتهن في إنشاء الأجيال على العلم وتربية العلماء.
ومن تكريم الإسلام للمرأة في المجال الإنسانى أنه اعتبرها أهلًا للمشورة وطلب الرأى في كثيرٍ من أمور الحياة وخاصة في بناء الأسر مثل تزويج البنات حيث أعطى البنت مطلق الحرية في الموافقة على من ستشاركه رحلة الحياة ونحا بالمشورة كذلك إلى أمها فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال {آمروا النساء في بناتهن} [1] . فرأيُ الأم له قيمته وأثره في تزويج ابنتها، وهكذا علمنا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -.
وقد شاع - مع الأسفِ الشديد - حول هذه النقطة غبارُ الجهل والطعن معًا، أما الجهل فهو من بعض المنتسبين إلى الإسلام الذين يُقيِّدُونَ حرية الرأي عند النساء تقليدًا لأَعرافٍ اجتماعيةٍ شوهاء ويتخذون من حق القوامة أطواقًا من الشدة والقهر.
وعلى اتساق الخطى بين الجاهلين والطاعنين يحلو لأهل الطعن دائما - خارج ديار الإسلام- أن يرددوا بأن الإسلام والمسلمين جردوا المرأة من عقلها فهي - في ظنهم - مقهورةً تابعةً للرجال فلا رأى لها ولا مشورة، ونحن لا نلوم العوامّ من غير أهل الإسلام
(1) - رواه الإمام أحمد ومحمد جار الله الصعدي في النوافح العطرة 13 بسند حسن.