وفي المجتمع الذي يصفه أهله بالتحضر كثيرٌ من الظواهر الحيَّة التي تحتاج إلى دراسةٍ وتأمُّلٍ، منها ظاهرة الصحبة والألفة والحنان الذي لا حدود له - حتى الآن - بين الآدميين وبين الكلاب.
وإن من أسعده زمانه ورأى هذا التدليل المبالغ وقع في حيرةٍ من عقله وثوابته إن كان إيمانه لا يستند إلى ركنٍ شديدٍ.
إنه لعجبٌ من العجب يستأثر أَزِمَّةَ العقول على المستوى الرفيع الممنوح لهذا الحيوان الأعجم الذي خلقه الله يدب في كل الكون على أربعٍ، لكن نساءَ الحضارة قد منحنه أوسمة الرفعة والعز والسؤدد بما لا يماثل الاهتمام - في كثير من الأحيان - ببقية الأبناء.
إنها ظاهرةٌ تثير الدهشة والعجب .. لكنها أصبحت من مألوفات العادات بتكرارها وتعود الناس عليها.
ولسنا نستنطق البيان أحكامًا شرعيةً تدور بين الحل والتحريم فهذا ليس مجاله وبالنسبة لغيرنا لا يلزمنا ولا يلزمهم أن تخوض معهم في هذه التفاصيل.
وإنما نرصد الظاهرة .. ولو من زاويةٍ نفسيّةٍ.
فربما تكون الصداقة والألفة بين الإنسان وبقية الحيوانات الأليفة وقت أن كانت الدنيا تخطو مراحل سيرها الأولى أمرًا منطقيًا لإعمار الأرض وتداول المصالح بين الكائنات فيما يمكن التعاون فيه، وخصوصا هذا المخلوق (الكلب) حيث الرعى والصيد والاحتطاب وذلك ينتج نوعًا من الحميمية بين الإنسان وبين هذا الحيوان.
أما اليوم .. في ظل الحضارة والعمارات الشاهقة والمصاعد وأجهزة التكنولوجيا المعقدة والعملاقة - حيث لا صيد ولا رعي - ما هو السر في هذه العلاقة التي لا تعرف الأسوار بين إنسان الحضارة وبين الكلاب وخصوصًا النساء؟
لو كان الاهتمام سببه رقة القلب وفيض الرحمة بالحيوان فهذا تفسيرٌ لن يرقى أبدًا إلى مرتبة القبول، على أساس أن الاهتمام منصبٌ في أكبر جوانبه على الكلاب بالذات .. فأين الرحمة ببقية الحيوانات؟!.