إن هناك سببًا يدور خلف أفق الأحداث، سبب خفيٌّ وليس ظاهرياًّ، ذلك أن الله تعالى فطر الإنسان على فطرةٍ سويَّةٍ معتادةٍ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: من الآية 30) ، ينشأ من خلالها على غرائز تتطلب إشباع وملء الفراغ، وغريزة العاطفة بكل أشواقها تبحث عن مجالٍ لها يرطّب جفافها ويعيد لها رونقها وألقها، وفي ظل الحياة الحضارية المادية تتشوق الأرواح إلى فيض الدفء والحنان وخصوصًا مع ندرة هذه المعانى على أرض الواقع، حيث إنَّ الحضارة المعاصرة - لأنها حضارةٌ بشريةٌ - ليس بمقدورها أن تمنح الأرواح سلامة القرار ودفء القربى فمن الطبيعي أن يظل فراغ الروح مؤرقًا يقضُّ المضاجع ويصيب الحياة ببرودٍ كالحٍ، ومن هنا تبدأ المتحضرة رحلة الاستقدام للبديل الذي يغذى فيها شأبيب القلب ويدفئ الروح بالوصل والحنان.
ولأن الإنسان مدنىٌّ بطبعهِ يتأثر بأثر مجتمعه الذي سبب البلوى ووضع لها حلًا غير طبيعى يتمثل في التعويض النفسي الذي يسد الفراغ حتى وإن لم يكن منطقيًا.
إن الشعراء كلموا الجدرانَ والأحجارَ والأشجارَ والأقمارَ والنجومَ والهواءَ والماءَ في رحلة استبطانٍ ذاتِيَّةٍ تعوض عن فقد الحبيب.
والاختراع وليد الحاجة، والحاجة ماسَّةٌ والفقر الروحى يشدخ المجتمع بالفواقرَ، فلا بأس عند القوم بالاستئناس بالكلاب لا استئناسها حيث يتبوأ الكلب كلَّ امتيازات التكريم المقبول والمرفوض، وكثيرةٌ هي الصور التي تصيب العقول بالعجب والنفوس بالدوار البادية من امرأة الحضارة وهى تحتضن كلبها المدلل كأنها تحتضن ابنها أو ترقد معه في فراش واحد كأنهما من عائلةٍ واحدةٍ أو تبكي عليه سواخن الدمع عند مرضه أو فقده، على حين أن هذا القلب الرحيم!! لا يتأثر عند رؤية مشاهد الإفناء المنقولة عالميًا ويُجمع فيها المقتولين من الناس أشلاءً متطايرةً دون أن تحرك فيها هذه المشاهد ساكنًا صوب معانى الرحمة بل الإشفاق ولو من بعيد.