أمها لتربيه ثم تنطلق الفتاة بعد ذلك إلى مآربها ورغائبها في رحلةٍ جديدةٍ .. والمؤسف في الأمر أن هذه الأم - مرجعية الخطأ والصواب عند أولادها - تتقبل كل ما حدث وما سيحدث كأنه تصرفٌ اعتياديٌّ لا غبار عليه، وإن بدا منها العتاب - أحيانًا - فعتابٌ باردٌ لا يرد بلوى ولا يدفع إلى مكرُمةٍ.
وواقع الأمر أن خطأ البنت موروث الفعل والتَّصور من الأم، وثمرات البنات - غالبًا - تحصدهُنَّ الأمهات.
فكيف ننشد من عقولٍ تقر الخطأ أن تمنع أهله؟! والإثمُ يحصده الجميع مع بقاء أعمق الأثر السلبى الموجِع على نفوس الأمهات إن كان فيهنَّ بقيةٌ من ضمير.
وبمناسبة الحديث عن هدايا الحضارة المعاصرة للأمهات - ومعهن الآباء - فنشير مع كل الاعتذار لمن أحوجته الأيام إلى بدعة الحضارة (دور المسنين) حيث لا يجد الوالدان مكانًا في حياة الأبناء فيتم التخلص منهما بموتهما الأدبي في هذه الدور قبل لقاء رب العالمين، والعقل والمنطق وروح التحضر يفرضون على الأبناء أن يقدموا راحة آبائهم وأمهاتهم على راحة أنفسهم وأن يكون الابن وما ملكت يمينه فداءً لسعادة الولدين وحفظًا لحقوق البر .. هذا هو أجمل معانى التحضر ورد الجميل لمن كانا السبب في وجود الإنسان في هذه الحياة {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} ؟ [1] .
ربما يكون مقبولًا أن تؤدى دور المسنين خدمةً ملائمةً لمن عَدِمُوا المعيلَ والنَّاصرَ بأن فقدوا أسرهم في حربٍ أو حريقٍ أو حادثٍ أو سفرٍ وألجأهم الزمنُ إلى استبدال نفوسٍ جديدةٍ يتداولون معهم روح الحب والمشاركة الوجدانية ويتذوقون - بعض الشيء - لمحاتٍ من دفءِ الأسرة التي فرقتها الأيام.
ومن صور التحضر الآنيِّ نلحظُ شبابًا وكهولًا يتقلبون في نعيم الدنيا بَيْدَ أن آباءهم وأمهاتهم على هامش الحياة ولا يجدون ما يسدون به الرَّمَقَ ولا يتحصلون على أدنى مطالب الحياة، أهذه ثمرة الحضارة للأمهات؟ أم أنها انعدام في التدين؟ أما أنهما اجتمعا معًا؟ أغلب الظن أنهما مجتمعان.
(1) - سورة الرحمن الآية (60) .