الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [1] .
صبَّ الله عليهم العذاب صبًا مع التخير والانتقاء لكل فريقٍ بما يناسبه وتم فناؤهم وزالت حضارتهم مع بقاء شواهدَ منها دلالةً على صدقِ المقال، وخلَّفَهُمُ الله في العالمين عبرةً بذكراهم السيئة.
وها هي الأيام تدور دولًا بين الأمم والشعوب وتبدئُ وتعيدُ لترسم لنا نفس ملامح الصورة بألوانها الطبيعية عن هذا التساند والتعاطف السارى بين أركان الدولة الاستعمارية التي كانت منذ مئات السنين والتي حاكت لنفسها ثوبًا جديًا يخالف أثواب الأقدمين، وعجلة الأحداث لا تتوقف بل هي لاهثة الأنفاس والأيام حُبْلَى بالعجائب وتؤذن بولادتها عما قريبٍ وسنة الله في خلقه لا تتغير أبدًا {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [2] .
ونعود إلى معنى التحضر التائه في أذهان الخلق لنجدَ أن الناس قد ألبسوا ثياب المعنى كل صاحب منظرٍ وسيمٍ وهيئةٍ منمقةٍ، وحديثه كالسحر، يجيد البدايات ويحسن النهايات، وهذه المظاهر طيبةٌ ومعشوقةٌ، لكنهم قصروا المعنى على المظهر والهندام وتطريز الكلام بغضِّ النظر عن دمامةِ الخلق وخبثِ النفس وسوءِ الطوية وقبح التصرف والسلوك.
إن الذين يصدرون أحكام الإفناء وهدم المنازل وقتل الأطفال وهتك الأعراض وتدمير المدن وإذلال الأسرى في السجون وتقليع شجيرات الزيتون وغيرها من الممارسات (المتحضرة) !!! إنما يوقعون على مراسيم هذه البلايا والمجازر والبسمة الباردة تملأ وجوههم الجامدة، ولا يخفى منظرهم (المتحضر) على عيون الناظرين .. ولا شك أنهم في أعراف مؤيديهم ومناصريهم مبرزون في معنى التحضر.
ولئن نسينا لا ننسى ذياك الذي وقع على قرار حرب العراق وأعلنه في لمسةٍ (حضاريةٍ) مبهرةٍ ثم دلف إلى ركن في بيته الأبيض ليتناول طعامه .. ولا تزال آثار هذا القرار (الحضاري) جاثمةً على أرض الواقع الآنىِّ .. ولا تعليق.
(1) - سورة الفجر (6 - 14) .
(2) - سورة البروج (20) .