فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 183

خَبَالِهِ استشعارًا بالدَّوارِ النفسي أو إحساسًا كاذبًا بالتسامي المطلق، ويعلم علم يقين أن الأيام دُولٌ وأن الضعيف لن يظل ضعيفًا أبد الدهر وأن القويَّ الغاشم لن تخلده قوته إلا باللعنات على طول الزمن وإنما ستخلده المبادئ الطاهرة بالنعت الجميل إن كان من أهلها.

وأرض الله تشهد لأهلها بأنهم قاربوا القمة في التحضر الماديِّ، فإنسان العصر قد ركب الفضاء ومخر عباب الماء واستبطن الجبال وقلب الأرض واستوطن في كل بقعةٍ من الكون يمكن الوصول إليها تاركًا بصمات وجوده وارتياده، إضافةً إلى الطفرات الهائلة في مجالات الذرة والطب والفلك وبقية العلوم البحتة الجامدة التي لا تمس الروح ولا تشفى في قرار الإنسان تعطشه إلى الإحساس بوجوده كإنسان بعدما طغت المادة على كيانه الروحي.

أما الشقُّ الثاني والأهم من جناحي التحضر فمع الأسف المحبط لأشواق الحالمين بالمبادئ؛ أصبح هذا الجانب يسبح في بحار النسيان منذ زمان، وينبأنا واقع حياتنا بأن حضارة هذه الأيام خاوية الوفاض من منظومة القيم ودساتير الأخلاق، حضارةٌ يسبق فيها ترجيل الشعر على ملء الرؤوس، وتلميع الحذاء أولى من تطهير القلب والروح، حضارةٌ يقودها أخلاطٌ من أهل الهوى في ليلٍ غافٍ سكرانٍ يطحن البشرية كلها تحت مطارق الهذيان، ولا بأس أن تضيع من الإنسان أجمل معانيه.

حضارةٌ لا تتقدم إلا في فراغ الخراب وشراء الذمم وتدمير الأمم وتركيع الشعوب ومساندة الظالم وإبادة المظلوم أو على الأقل إرهابه وإلقاء الأوامر إليه بكتم الأنين والتوجع، وما ألعنها من معانٍ إن زاد سعيرها واستشرى سوقها في العالمين أكثر من ذلك .. واللهِ ما بعدها إلا الخراب.

لكن .. اقتضت سنَّةُ الخالق الأعلى أنَّهُ يُرخى عنان الصبر لعباده فربما ترتقى النفوس من أوضارها وربما يئوب المعوج من أمر الحياة إلى اعتداله في لحظةٍ وضيئةٍ من لحظات الإفاقة العقلية بعد انقشاع ظلمة العمى عن القلوب.

أما إذا استمرًا الطغاة طعم الظلم فليس أمامنا وأمامهم من العبر في سالف الأزمان إلا ما حكاه القرآن الكريم عن أصحاب الحضارات الغابرة التي تماثلت مع حضارة اليوم بوجوه شبهٍ عديدةٍ وقد دمرهم الله أجمعين أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت