وهذا الَّذي ذهب إليه مجاهد [1] من تفسير الآية يقتضي أن تكون الواو {وَالرَّاسِخُونَ} عاطفةً على معمول الاستِثْناء، وقد روى عبدالرزَّاق بإسناد صحيح عن ابن عبَّاس أنَّه كان يقرأ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [2] فهذا يدلُّ على أنَّ الواو للاستِئْناف؛ لأنَّ هذه الرواية وإن لم تثبتْ بها القِراءة لكن أقلَّ درجاتها أن تكون خبرًا بإسناد صحيح إلى ترْجمان القرآن، فيقدَّم كلامُه في ذلك على مَن دونه [3] .
ويؤيد ذلك أنَّ الآية دلَّت على ذمِّ متَّبعي المتشابه لوصفهم بالزيغ ابتغاء الفتنة، وصرَّح بوفق ذلك حديث الباب [4] ، ودلَّت الآية على مدْح الَّذين فوَّضوا العلم إلى الله وسلَّموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيْب [5] ، وحكى الفرَّاء [6] أنَّ في قراءة أُبي بن كعب مثل ذلك، أعنِي:"ويقول الراسخون في العلم آمنا به"."الفتح": 8/ 57 - 58.
(1) قال مجاهد كما في البخاري"فتح": 8/ 57: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) )يعلمون تأويله و (( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) )وقد وصله عبد بن حميد عنه كما يقول ابن حجر في الموضع نفسه، ووصله أيضًا أبو بكر بن الأنباري في كتابه"الأضداد": 424 فقرة رقم: 354، وابن جرير في"جامع البيان": 6/ 203 رقم: 6633، وابن قتيبة في"تأويل مشكل القرآن": 100، وانظر:"الدر المنثور"للسيوطي: 2/ 13.
(2) تفسير عبدالرزاق: 1/ 116، وهو عند الطبري في"جامع البيان": 6/ 202 رقم: 6627 من طريق عبدالرزاق.
(3) قد سبق في هامش رقم: 2 ص: 463 تقرير أنَّ القراءة الشاذَّة إذا صحَّ سندُها تنزل منزلة خبر الآحاد الصَّحيح الذي يلزم العمل به، وإنَّما تعدُّ تفسيرًا وقولًا لصاحب إذا خالفت المتواتر ولم يمكن الجمع.
انظر:"قواعد التفسير"للسبت: 1/ 93،"قواعد الترجيح عند المفسرين"للحربي: 1/ 104، وانظر في هل الواو في قوله - تعالى: (( وَالرَّاسِخُونَ ) )للاستئناف أو العطف الهامش رقم: 4 ص: 623.
(4) أي: حديث النعمان بن بشير عند البخاري"فتح": 1/ 153 رقم: 52: (( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشبهات ) ).
(5) انظر:"معاني القرآن وإعرابه"للزجاج: 1/ 378،"جامع البيان"للطبري: 6/ 206،"النكت والعيون"للماوردي: 1/ 372،"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي: 4/ 19،"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير: 1/ 428،"مفاتيح الغيب"للرازي: 7/ 192،"فتح البيان"لصديق خان: 2/ 186،"التحرير والتنوير"لابن عاشور: 3/ 164 وغيرها.
وقد مدح الله المؤمنين بالغيب في عدد من الآيات، منها قوله - عزَّ وجلَّ: {وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 48، 49] .
(6) في"معاني القرآن"للفراء: 1/ 191، وقد ذكر تلك القراءة عن أُبي: الطبري في"جامع البيان": 6/ 204، والثعلبي في"الكشف والبيان": 3/ 9 أ، والواحدي في"البسيط"- تحقيق الحمادي: 1/ 201، وأبو حيان في"البحر المحيط": 2/ 384، والسيوطي في"الإتقان": 2/ 15.