القدم في العلم، أفصح صاحبُه النطق بالقول الحق، وكفى بدُعاء الرَّاسخين في العلم: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} .. إلخ شاهدًا على أنَّ {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مقابل لقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ، وفيه إشارة على أنَّ الوقْف على قوله: {إِلَّا اللَّهُ} تامّ [1] ، وإلى أنَّ علم بعض المتشابه مختصٌّ بالله - تعالى - [2] وأنَّ مَن حاول معرِفته هو الَّذي أشار إليْه في الحديث بقوله: (( فاحذروهم ) ) [3] .
"الفتح": 8/ 59.
(1) القول بأنَّ الوقف على قوله: {إِلَّا اللَّهُ} تام، والواو في قوله: {وَالرَّاسِخُونَ} للاستئناف قال عنه شيخُ الإسلام ابن تيمية في"التدمرية" (90) بأنَّه:"قول الجمهور سلَف الأمَّة وخلَفها"، وهو المأثور عن أبَي بن كعب وابن مسعود وابن عمر وعائشة وابن عباس - في رواية عنْه - وعروة بن الزُّبير ومالك وعمر بن عبدالعزيز وأبي نهيك الأسدي وأبي الشعثاء، وقال به الفرَّاء وأبو عُبيد والمفضَّل بن سلمة وأبو حاتم والأخفش والكسائي وابن جرير والخطَّابي وأبو حيَّان وابن كيسان والشَّوكاني وصديق خان والآلوسي والشنقيطي وغيرهم.
وقال ابن عباس - في رواية أخرى عنه - ومجاهد والرَّبيع بن سليمان والقاسم بن محمَّد ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن قتيبة، والنحَّاس وابن عطية والزَّمخشري، وأحمد القرطبي شيخ صاحب التفسير في آخرين: إنَّ الرَّاسخين في العلم يعلمون تأويله، وإنَّ الواو للعطف لا الاستئناف.
قال ابن تيمية في"التدمرية" (91) :"ولا منافاة بين القولين"، ثمَّ أبان أنَّ الذين قالوا: إنَّ الواو عاطفة جعلوا معنى التَّأويل: التفسير وفهم المعنى، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( اللهُمَّ علِّمْه التَّأويل ) )؛ أي: التفسير وفهم معاني القرآن، والرَّاسخون في العلم يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يُحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، والذين قالوا:"هي استئنافية"جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، فإن كان طلبًا فتأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا فتأويله نفس الشيء المخبر به، وانظر"مجموع الفتاوى"له: 13/ 284، وما بعدها، ويقرب من ذلك ما في"معاني القرآن"للنحاس: 1/ 352 - 353، وهذه محاولة تأليف حسنة بين القولين، والله أعلم.
وانظر في المسألة أيضًا:"تأويل مشكل القرآن"لابن قتيبة: 98،"معاني القرآن"للفراء: 1/ 191،"جامع البيان"للطبري: 6/ 202 - 204،"الكشف والبيان"للثعلبي: 3/ 7 ب - 9 أ،"النكت والعيون"للماوردي: 1/ 372،"مفاتيح الغيب"للرازي: 7/ 189 - 192،"الكشاف"للزمخشري: 1/ 413،"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير: 1/ 427 - 428،"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي: 4/ 16 - 18،"البحر المحيط"لأبي حيان: 2/ 384،"فتح القدير"للشوكاني: 1/ 470 - 471،"فتح البيان"لصديق خان: 2/ 186،"روح المعاني"للآلوسي: 3/ 83،"أضواء البيان"للشنقيطي: 1/ 269 - 273، وغيرها.
(2) ككيفيات صفات الله - عزَّ وجلَّ -، وحقائق النعيم العذاب في الآخرة.
(3) هذه الكلمة جزء من حديث عائشة - رضِي الله عنْها - عند البخاري"فتح"8/ 57 رقم: 4547، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية ثمَّ قال: (( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابهَ منه، فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم ) )، وإلى هنا ينتهي كلام الطيبي في"الكاشف على حقائق السنن": 2/ 618 - 619 والذي نقله الحافظ هنا بتصرف.