أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [1] ، وبعد انتهاء هذا المشهد السماوي، ونزول آدم وحواء إلى الأرض، واتباع إبليس وجنوده لهم بالغواية والإضلال في كل مكان، ها هي نبوءة إبليس تتحقق فيخبر عز وجل أن ظنه على البشر قد صدق فاتبعوه إلا النزر اليسير ممن آمنوا بالله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [2] ، قد ذهب بعض المفسرين إلى أن مرجع الضمير في (عليهم) عائد إلى قوم سبأ لا إلى الناس أجمعين يقول الطبري:"ولقد ظن إبليس بهؤلاء الذين بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، عقوبة منا لهم، ظنًا غير يقين، علم أنهم يتبعونه ويطيعونه في معصية الله فصدق ظنه عليهم بإغوائه إياهم، حتى أطاعوه وعصوا ربهم، إلا فريقًا من المؤمنين بالله، فإنهم ثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس" [3] ، وذهب الأكثر إلى عمومها في بني آدم والثقلين أجمعين، وإن كانت في سياق قصة قوم سبأ يقول السعدي:"ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدق عليهم إبليس ظنه حيث قال لربه {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [4] " [5] ، ويقول ابن عطية:"ومعنى الآية أن ما قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم، وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم شاكرين وغير ذلك ظنًا منه فصدق فيهم، وأخبر الله تعالى عنه (فاتبعوه) وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم كفار" [6] ، ولقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها أنها على العموم حيث قال"قال إبليس إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون خلقًا ضعيفًا وأنا خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء، لأحتنكن ذريته إلا قليلًا قال: فصدق ظنه عليهم فاتبعوه"
(1) - سورة الأعراف، الآية 17
(2) - سورة سبأ، الآية 20
(3) - جامع البيان - للطبري - ج 22 - ص 108
(4) - سورة ص، الآيتان 82، 83.
(5) - تيسير الكريم الرحمن - للسعدي - ص 741
(6) - المحرر الوجيز - لابن عطية - ج 4 - ص 417