فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 285

من مجاوزة الحدود وبلوغ القمة في الظلم والجور والعصيان، والمتتبع لسياق ورود هذه الكلمة في كتاب الله يجد أنها وردت في جميع مواضعها في مجال العبادة والطاعة المطلقة والتحاكم، وهذه أمور هي من أخص خصائص الله سبحانه، فكيف إذا صُرفت إلى من يسموَّن بالطواغيت، بهذا نجد أن الطاغوت يحتل مرتبة هي أعلى من مجرد كونه متمردًا أو عاتيًا كما هو حال الشيطان، بل هو في مرتبة تصل إلى قمة الكفر والطغيان بحيث يجترئ على خصائص ألوهية الله سبحانه حيث يدعو البشر لعبادته من دون الله، فقد قال مالك بن أنس:"الطاغوت كل ما يعبد من دون الله" [1] ، ولقد جاء في بيان معنى الكفر بالطاغوت في قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [2] :"أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ووحّد الله فعَبَده وحده وشهد أن لا إله إلا هو فقد استمسك بالعروة الوثقى" [3] .

ومن خلال ما سبق يمكننا أن نخرج بالتعريف التالي للطاغوت في الشرع:

الطاغوت: هو كل ذي طغيان على الله فعُبِد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده، إنسًا كان ذلك المعبود أو جانًّا.

وأخص مظاهر هذه العبودية أن ينصب شيطان الجن أو الإنس نفسه حاكمًا من دون الله يشرّع للبشر قوانين الكفر والضلال، يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} [4] .

(1) - الدر المنثور - للسيوطي - ج 2 - ص 22

(2) - سورة البقرة، الآية 256

(3) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 1 - ص 312

(4) - سورة النساء، الآية 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت