واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: كما أغويتني، قال ابن عباس: كما أضللتني، وقال غيره: كما أهلكتني، لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه، على صراطك المستقيم، أي: طريق الحق وسبيل النجاة، فلأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي. قال مجاهد (صراطك المستقيم) يعني: الحق ... وقد أخرج أحمد في مسنده عن سبرة بن أبي فاكه [1] ، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل، فتُنكح المرأة، ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة) [2] " [3] ."
وقد شن إبليس وجنده هذه الحرب على دين الله على مستوى الجماعات والأفراد، فلا يأتين أمة إلا وزين لها الكفر بالله فأزلقها عن صراطه المستقيم وبالتالي كانت غوايته تلك لأهل الإيمان حرب على دين الله ومكر له، يقول تعالى في حق قومي عاد وثمود: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
(1) - سبرة بن الفاكه، ويقال بن أبي الفاكه، ويقال بن أبي الفاكهة، وبن أبي الفاكهة، له صحبة، نزل الكوفة، له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث واحد - تهذيب التهذيب - لابن حجر العسقلاني ج 3 - ص 453 - ترجمة 746.
(2) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - سنن النسائي - كتاب الجهاد - باب: ما لِمَن أسلم وهاجر وجاهد - ص 2289 - ح 3136، وأخرجه أحمد - ج 3 - ص 483 - ح 16000 صححه الألباني - السلسلة الصحيحة - ح 2979 - ج 6 - ص 1186.
(3) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 6 - ص 267.