إصاباتهم لابن آدم، وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كانت نوعًا خاصًا، كنظائر ذلك" [1] ."
-"والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم وهو قوله (أعوذ بك من همزات الشياطين) أي نزغات الشيطان الشاغلة عن ذكر الله تعالى ... قال أبو الهيثم: إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام" [2] .
-"أي وساوسه المغرية على خلاف ما أُمِرتَ به وهي جمع همزة، والهمز: النخس والدفع بيد أو غيرها ... وإطلاق ذلك على الوسوسة والحث على المعاصي لما بينهما من الشبه الظاهر" [3] .
ومن مجموع هذه الأقوال نلاحظ مفارقة عجيبة بين المعنى اللغوي وبين ما ذهب إليه معظم المفسرين، فأهل اللغة يجمعون على أن الهمز دفع ونخز ولمز ولكنه بسرعة وخفاء، وعلى الرغم من هذا المعنى الواضح للهمز في اللغة يحاول المفسرون تحويله إلى معنى خفي دقيق هو مجرد الوسوسة، وإن كان ذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك بالحديث على آثار تلك الوسوسة من تحريك للشر والغواية، ويحاول البعض التوفيق بين الوسوسة والمعنى اللغوي فيقول إن الهمز دفع للوساوس في القلب وهكذا.
والظاهر أن هذا الخلاف راجع إلى عدم وجود معنى دقيق للوسوسة، وللوسائل، وللخطوات عند أهل التفسير، ولكننا في هذا البحث، وفي ضوء وجود معانٍ دقيقة لهذه المصطلحات، ندرك أن الهمز لا يقف عند كونه وسوسة فحسب، بل هو تحريك لمكامن النفس واستثارة لها لتصل إلى مرحلة النزغ أو الغضب التي سنتحدث عنها بعيد قليل، وقد أجاد الطاهر بن عاشور في تفسير هذه الآية وبيان معنى الهمز حيث قال:"فلما أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمرهم بالتعوذ من حيلولة الشيطان دون الدفع بالتي هي"
(1) - إغاثة اللهفان - لابن القيم - ج 1 - ص 113.
(2) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 12 - ص 148.
(3) - روح المعاني - للألوسي - م 10 - ج 18 - ص 93.