(وللمحدثين نصيبٌ(1) :
للمحدثين رحمهم الله - عز وجل - و- رضي الله عنهم - منهجٌ رصين ورصيد ثَريٌّ وإسهامٌ قويٌّ في إجلالِ حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتوقير مجلس الحديث، والتَّحفّز لاستباق العمل به، تَعظيمًا له، وهذه بعض الشواهد:
حدَّث عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فكان مما قال: (وما سمعته قط يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة واحدة، فنظرت إليه وقد حلَّ إزاره وانتفخت أوداجه، واغرورقت عيناه، فقال:(أو نحو أو دون، أو قريبًا من ذلك، أو شبه ذلك) (2) .
وجاء عن عدة من الأَئمة - رضي الله عنهم - أنهم لا يُحدثون بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على وضوء، منهم: قتادة وجعفر بن محمد، ومالك بن أنس، والأَعمش، بل قد صار ذلك مُستحبًّا عندهم، وكرهوا خلافه.
قال ضرار بن مرة: (كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم على غير وضوء) .
وقال إسحاق: رأيت الأَعمش إذا أراد أن يتحدَّث وهو على غير وضوء تيمم (3) .
وكان مالك بن أنسٍ يلبس أحسن ثِيابه ويتطيب ويأخذ زينته للتحديث بحديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) .
وكان سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - يقول وهو مريض: (أقعدوني، فإني أكره أن أحدث حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مضطجع) (5) .
(1) أقول: راجع الحاوي للفتاوي للسيوطي (1/ 32 - 33) مسألةٌ في الآذان، فقد ذكر كثيرًا من الأَمثلة في إجلالِ المحدثين لحديثِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطرقهم في تعظيم ذلك].
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر (2/ 1220) ].
(3) شرح الشفا (2/ 75) وتعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأَسعد الصاغرجي (ص 21) .
(4) شرح الشفا (2/ 76) .
(5) شرح الشفا (2/ 89) .