وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» (1) .
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج من قبره إلا يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس، بل هو مًنَعَّمٌ في قبره، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة (2) .
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله في الرد على هذه الفرية في معرض بيانه لمنكرات الموالد:(و من ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحضر المولد و لهذا يقومون له محيين مرحبين و هذا من أعظم الباطل و أقبح الجهل.
فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، و لا يتصل بأحد من الناس و لا يحضر اجتماعاتهم بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة و روحه في أعلى علّيين عند ربه في دار الكرامة) (3) . ثم استدل على هذا من الكتاب و السنة و إجماع الأمة.
• والقومُ يَستدلون أيضًا بِقصَّة الأَعرابي المُسمى العتبي وهي باطلة (4)
(1) أخرجه البُخاري (2411) ].
(2) حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته 2/ 779 - 781.
(3) حكم الاحتفال بالمولد النبوي وغيره (صَفْحَة: 6) .
(4) يحكى عن العتبي أنه قال كنت جالسا عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: (و لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي وأنشد يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف و فيه الجود و الكرم
ثم انصرف فحملتني عيناي فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له) ه وهي باطلة. انظر: الجامع للشعب (8/ 3880) م الصارم (252 - 253) التوصل (273 - 290) قاعدة جليلة (439) صيانة (255 - 258) هذه مفاهيمنا (75 - 78) تحت المجهر (3/ 35 - 45) الصراع (2/ 769 - 794) البيان لأخطاء بعض الكتاب (247) تيسير العلي القدير (1/ 407) تحفة الزوار (54 و 55) م. والعجب من قوم لا يحتجون بالأحاديث الصحيحة في باب الاعتقاد كيف يتعلقون فيما يوافق أهواءهم بروايات المجهولين، الذين لا يعرفهم علماء الجرح والتعديل الذين دونوا أسماء الثقات والضعفاء والمجهولين وفاتهم هؤلاء المجهولين الذين يتعلق برواياتهم أصحاب الأهواء. ثم العجب - ثانيا - أنهم يتعلقون بالمنامات ويحتجون بها في الاعتقادات. ثم العجب - ثالثا - أنهم يتعلقون بما ينسب إلى الأعراب الأ جلاف و يعرضون عما ثبت عن أئمة الأسلاف من مثل ما روى عبدالرزاق عن معمر عن عبيدالله بن عمر: (أنه لا يعلم عن أحد من الصحابة أنه كان يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -) و هي رواية ثابتة صحيحة لا غبار عليها. وهل هذا الأعرابي أفقه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلم بالقرآن منهم وأحرص على تطبيقه منهم؟ كيف لم يأت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى قبره مستغفرين من ذنوبهم مستشهدين بهذه الآية؟. إذن: فعلى هؤلاء أن يتأدبوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأدب الأعراب، فقد روى الإمام أحمد 2/ 288: ثنا زيد بن الحباب أخبرني محمد بن هلال القرشي عن أبيه أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: (كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فلما قام قمنا معه، فجاءه أعرابي، فقال: أعطني يا محمد، قال: «لا، و استغفر الله» فجذبه فخدشه، قال: فهمّوا به، قال: «دعوه» ، ثم أعطاه. قال: وكانت يمينه أن يقول: «لا، واستغفر الله» . و قال أيضًا 5/ 65: ثنا روح بن عبادة ثنا بسطام بن مسلم قال: سمعت خليفة بن عبدالله الغبري يقول: يا رسول الله! أطعمني، يا رسول الله! أعطني، قال: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل المنزل، وأخذ بعضادتي الحجرة، وأقبل علينا بوجهه، وقال: «والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم في المسألة، ما سأل رجل رجلًاو هو يجد ليلة تبيته» فأمر له بطعام) . و روي البخاري (5809) و مسلم حديث رقم (128) كلهم من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: (كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و عليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظر إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. و في لفظ عند أحمد 3/ 310،153:(حتى انشق البرد، وحتى تغيبت حاشيته في عنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . وروي البخاري (220) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: «دعوه و هريقوا على بوله سجلًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» .
فهل يحتج بتصرفات هؤلاء الأعراب و يقتدى بهم فيها، فإذا كانت تصرفاتهم هذه خطأ فتصرف ذلك الأعرابي - على افتراض ثبوتها و دونه خرط القتاد - خطأ لأنه فهم الآيه على غير وجهها و طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد موته ما لا يجوز أن يطاب منه ولو كان جائزًا لفعله الصحابة الكرام و اشتهر عنهم بل و تواتر عنهم) [رَ: قاعدة جليلة (150 - 151) بتصرف] .