في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام [1] ، وهذا يدل على أن سجود الشكر غير منسوخ [2] .
الدليل الخامس: أن الإنسان لا يخلو في جميع أحيانه من نعمة من نعم الله عليه، فلو كلف السجود لذلك للزمه الحرج والمشقة [3] ، ولا معنى لتخصيص بعضها بالسجود [4] .
ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن المشروع هو السجود عند النعم الحادثة التي يندر وقوعها، وليس عند النعم المستمرة، فالنعم المستمرة إنما يكون شكرها بأنواع الطاعات، ثم إن سجود الشكر سنة وليس بواجب، فليس في تركه في بعض الأحيان إثم أو حرج، واستدل أصحاب القول الأول بأدلة أهمها:
الدليل الأول: ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنهما في حديثه الطويل في قصة إسلام همدان، وفيه: «فكتب علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان [5] »
(1) سبق تخريج هذه الآثار ص 2 - 4.
(2) انظر 053 حاشية رد المحتار 1/ 524، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 323.
(3) مراقي الفلاح مع حاشيته للطحطاوي ص 323، المجموع 4/ 70، فيض القدير 5/ 118.
(4) إعلام الموقعين 2/ 410.
(5) رواه البيهقي 2/ 369 من طريقين أحدهما صحيح عن أبي عبيدة بن أبي السفر قال سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء فذكره وإسناده حسن، أبو عبيدة بن أبي السفر صدوق يهم كما في التقريب 1/ 18، ومثله شيخه إبراهيم بن يوسف كما في التقريب 1/ 47، وأبو إسحاق قيل إنه اختلط بآخره، وأنكر ذلك الذهبي في الميزان 3/ 270، فقال:"شاخ ونسي ولم يختلط"وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما لجماعة من العلماء من روايتهم عن أبي إسحاق، ومنهم يوسف بن أبي إسحاق الراوي عنه هنا، انظر الكواكب النيرات ص 303، بل إن البخاري قد أخرج صدر هذا الحديث في صحيحه (4349) من طريق شريح بن مسلمة عن إبراهيم بن يوسف - كما في رواية البيهقي هنا- ولذلك فقد أخرج الإسماعيلي الحديث بتمامه في مستخرجه على صحيح البخاري بإسناد البيهقي كما في الفتح 8/ 66، وقال البيهقي بعد إخراجه لهذا الحديث:"أخرج البخاري صدر هذا الحديث. . . وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه". وصحح إسناد هذا الحديث أيضا المنذري في مختصر السنن 4/ 86، وابن الهمام في فتح القدير 1/ 425، وابن القيم في زاد المعاد 1/ 360 وذكر إن إسناده على شرط البخاري.