وأجيب: بأن القاعدة في الأصول: [أن النسخ لا يثبت بالاحتمال] ، وبعبارة أخرى: [الأصل في النصوص الإحكام] ، فيحتمل أن النبي r قد اكتفى بالأمر الأول، والقاعدة في الأصول: [إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال] ، ونزول فرض من الفرائض لا يقتضي سقوط فرض آخر.
الترجيح:
تبين لي بعد عرض الأقوال في المسألة، وأدلة كل قول، أن الراجح في المسألة القول الأول، وذلك لسلامة بعض أدلته من المناقشة، وعدم سلامة أدلة الأقوال الأخرى.
مسـ (2) ـألة: حكمها في حق أهل البادية:
اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها واجبة في حقهم، وبهذا قال أكثر أهل العلم.
[انظر: المغني (4/ 289) ] .
ودليلهم في ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال:"فرض رسول الله r صدقة الفطر صاعا من شعير، أو صاعا من تمر على الصغير والكبير، والحر والمملوك".
وجه الاستدلال بالحديث: أما الوجوب فقد تقدم تقريره، وأما وجه كونه شاملًا لأهل البادية فمن قوله:"الصغير والكبير"، فهذا مفرد محلى بـ أل الجنسية، والقاعدة في الأصول: [أن أل الجنسية تفيد عموم مدخولها] ، وعليه فيشمل كل كبير وصغير من أهل البادية وغيرهم.
القول الثاني: أنها لا تجب عليهم، وبهذا قال عطاء والزهري وربيعة، وحكاه ابن رشد رحمه الله عن الليث.
[المغني (4/ 289) ، بداية المجتهد (2/ 661) ] .
دليلهم: لا أعرف لهم دليلا فيما ذهبوا إليه.
قال ابن رشد رحمه الله في بداية المجتهد (2/ 661) :"ولا حجة له".
الترجيح:
الراجح في المسألة القول الأول لعموم حديث ابن عمر t ولا مخصص.
مسـ (3) ـألة: زكاة الفطر عن المرأة المتزوجة على من تجب:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها تجب على المرأة نفسها، وهذا مذهب الحنفية، والظاهرية، وبه قال الثوري وابن المنذر.
[انظر: بدائع الصنائع (2/ 72) ، المحلى (6/ 136) ، المغني (4/ 302) ] .
ودليلهم في ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال:"فرض رسول r صدقة الفطر صاعا من شعير، أو صاعا من تمر على الصغير والكبير، والحر والمملوك".
وجه الاستدلال بالحديث: أما الوجوب فقد تقدم تقريره، أما وجه كونه متعلق بالزوجة نفسها فمن قوله:"على الذكر والأنثى"، فظاهر اللفظ أن الوجوب متعلق بالأنثى بذاتها كما هو متعلق بالذكر، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالألفاظ على ظاهرها] .
وأجيب: بأن المراد عن الأنثى، لما سوف يأتي بيانه إن شاء الله.
ونوقش: بأن هذا تأويل، والقاعدة في الأصول: [أنه لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا بدليل] ، وما ذكروه لا يصلح دليلا على ما سوف يأتي تقريره إن شاء الله.
القول الثاني: أنها تجب على زوجها، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال إسحاق.
[انظر: مواهب الجليل (3/ 265) ، المجموع (6/ 113) ، المغني (4/ 302) ] .
دليلهم في ذلك:
1 -ما أخرج الدارقطني في السنن (220) ومن طريقه البيهقي (4/ 161) , من طريق ثنا القاسم بن عبد الله بن عامر بن زرارة , حدثنا عمير بن عمار الهمداني , ثنا الأبيض بن الأغر , حدثني الضحاك بن عثمان , عن نافع , عن ابن عمر , قال:"أمر رسول الله r بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون".
وجه الاستدلال بالحديث: من قوله:"ممن تمونون"، فظاهر الحديث بل قريب من النص أنه يجب عليه إخراج الزكاة عمن ينفق عليه.
وأجيب: بأن الحديث ضعيف في إسناده القاسم بن عبد الله ليس بالقوي قاله الدارقطني، والقاعدة في الأصول: [أن ضعف الراوي يقتضي رد خبره] .
ونوقش: بأنه قد أخرجه الدارقطني من طريق إسماعيل بن همام , حدثني علي بن موسى الرضا , عن أبيه , عن جده , عن آبائه به مرفوعا.
وردت المناقشة: بأن في إسناده إسماعيل بن همام الشيعي مجهول، والقاعدة في الأصول: [أن جهالة الراوي تقتضي ضعف الحديث] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)